عمّان | لماذا الآن؟ سؤال تردّد كثيراً إثر تداول روابط على فايسبوك تكشف نشاط داود كتّاب، المدير العام لـ«مؤسّسة الإعلام المجتمعي»، المتصل بالتطبيع مع العدو الصهيوني. وفقاً لبيادق المدافعين عنه، فإنّ كتّاب يدير تلك المؤسّسة منذ أكثر من عشر سنوات، فلماذا تبدأ «الهجمة» الآن تحديداً، وما الذي تغيّر؟ «نظريّة المؤامرة» شكّلت خط الدفاع الأوّل عن كتّاب.


حاول البعض طرح علامات استفهام عديدة حول توقيت نشر المعلومات المتعلّقة بنشاطه، فيما وجدت صحيفة «الغد» الأردنية نفسها مرغمة على الدفاع عنه. لا أحد يعلم لماذا، لكنّ الجريدة شبه الرسمية نشرت قبل أيام مقالاً بعنوان «كتّاب ينفي إنتاجه فيلماً «تطبيعياً» مع إسرائيل: ونشطاء يصرّون على اتهامه بـ«التطبيع» (22/10/2013). في هذا المقال، عرضت الصحافية غادة الشيخ وجهة نظر كتّاب بذريعة «المهنية» و«الحياد»، في مقابل تغييب وجهة نظر الطرف الآخر المتمثّل بمناهضي التطبيع مع إسرائيل.
السؤال الأساسي يبقى: لماذا الآن؟ الحكاية بدأت بزيارة عمل قامت بها إحدى العاملات في مؤسّسة بريطانيّة، متعاقدة مع كتّاب، إلى الأراضي الفلسطينيّة المحتلّة بتأشيرة دخول من سفارة الكيان الصهيوني. هنا، بدأ الجدل في أوساط مناهضي التطبيع، بين مَن أكد على أنّ الزيارة اشتملت على لقاء صحافيين إسرائيليين، وبين من اعتبرها تصرّفاً فردياً اقتصر على زيارة «أصدقاء» في المناطق المحتلة عام 1948، بعد إنجاز العمل في الضفّة الغربيّة. ولأنّ الزيارة لم تكن باسم «مؤسّسة الإعلام المجتمعي»، رفض بعض مناهضي التطبيع إصدار بيان يدينها، انطلاقاً من رفض محاكمة الأفراد والتركيز على مناهضة المؤسّسات والهيئات المطبّعة، الأمر الذي اعتبره آخرون «مهادنة».
بعدها، بدأ البحث عن دلائل تدين المؤسّسة وتثبت تورّطها في التطبيع. لماذا؟ قد يكون للجدل الذي دار بين الناشطين ارتباط بالمسألة، ووصل الأمر إلى درجة الحصول على إثباتات دامغة. في تلك الفترة، نشر «عمّان نت» (التابع لـ«مؤسّسة الإعلام المجتمعي») مادّة حول زيارة فرقة الروك «أوتوستراد» (راجع الكادر) الأردنية إلى الأراضي المحتلة بتأشيرة دخول إسرائيلية، بعدما أطلق ناشطون في الداخل الفلسطيني حملة تندّد بالزيارة، تحت شعار «تعالوا بعد ص ». وقد تضمّنت المادّة المنشورة ردّاً خجولاً من الفرقة يحاول تبرير الرحلة. لكنّ
أحد العاملين في «عمّان نت»، نشر مقالاً على مدوّنة يدين ما أقدمت عليه «أوتوستراد»، قبل أن يسارع كتّاب إلى المطالبة بنشر مقال آخر يدافع عن الفرقة تطبيقاً لمبدأ «الحياد».
في هذا الوقت بالتحديد، عثر بعض مناهضي التطبيع على رابط لمقال باللغة الإنكليزية نشره كتّاب على موقع الـ«مونيتور» الإلكتروني، دافع فيه عن زيارة فرقة «أوتوستراد» واقتبس التصريح الذي أدلت به الفرقة لـ«عمّان نت»، إضافة إلى العثور على فيديو على موقع vimeo (موقع مشاركة المقاطع المصوّرة) صادر عن «مركز بيريز للسلام» الإسرائيلي بعنوان Peace in Sight (السلام في الأفق) يعود إلى عام 2008، ومن إنتاج داود كتّاب، فضلاً عن روابط تثبت تورّط الأخير وغيره، كالعضو السابق في مجلس مفوضي «الهيئة الملكية للأفلام» علي ماهر الذي توفي أخيراً، بالمشاركة في ندوة نظّمها «مركز بيريز...».
هكذا، لم يعد داود كتّاب مجرّد شخص «تدور حوله الشائعات»، بل ثبت أنّه يصرّ على التدخّل في كل تفاصيل العمل اليومي في«مؤسّسة الإعلام المجتمعي»، وأنّه لا يمكن اتّخاذ إجراء ضدّه استناداً إلى ميثاق الشرف الذي تعهدت به المؤسسة بتجريم التطبيع لأنّه المالك المؤمِّن للتمويل! فيما يصرّ كتّاب على الدفاع عن مواقفه، تبيّن أن حكايته لم تكن جديدة. نشرت مجلّة «راديكال» الفكريّة بياناً في عددها الأخير (بعنوان «عن داود كتّاب والتطبيع وعمان نت) تطالب فيه بمقاطعة «عمان نت» لغاية فصل كتّاب من منصبه، مستندةً إلى مقال نُشر في صفحات «الأخبار» العام الماضي بعنوان «هكذا يُستدرج المبدعون إلى التطبيع» (30/8/2012).
المشكلة هي أنّ العاملين في «عمان نت» و«راديو البلد» لا يملكان قرار فصل المدير العام، فهذا الأمر منوط بمجلس الإدارة المطالب بالإقدام على هذه الخطوة. لكن، هل حقاً يملك المجلس الجرأة على اتخاذ موقف مماثل؟! وهنا، لا بد من أن نذكر أنّ موقع «عمّان نت» مشمول بقرار دائرة المطبوعات والنشر الذي حجب 290 موقعاً إخبارياً في حزيران (يونيو) الماضي وفق أحكام قانون المطبوعات والنشر رقم «8» لسنة 1998 (الأخبار 5/6/2013)، وهو قانون عرفيّ أقرّته السلطة لفرض قيودها على وسائل الإعلام، علماً بأنّ «عمّان نت» ليس المؤسسة الإعلامية الوحيدة التابعة لـ«مؤسسة الإعلام المجتمعي»، بل إنّ «راديو البلد» تابع لها أيضاً.




تعالوا بعد التحرير

تأسست فرقة «أوتوستراد» الأردنيّة عام 2007، وهي متخصصة بموسيقى الـ«أندي روك»، ومؤلفة من ستّة أعضاء يغنون ويعزفون في الوقت نفسه، وهم: آفو دمرجيان (باص)، بشّار حمدان (ساكسوفون)، برهان العلي (برامز)، حمزة أرناؤوط (غيتار إلكتروني)، وسام قطاونة (كيبورد) ويزن الروسان (غيتار وإيقاع). وقبيل حفلة رأس السنة التي أقامتها في رام الله في 31/12/2012، دعت «الحملة الفلسطينية للمقاطعة الأكاديمية والثقافية لإسرائيل» إلى إلغائها، بسبب مخالفة الفرقة لمعايير مقاطعة إسرائيل ومناهضة التطبيع معها بحصولهم على تأشيرة دخول إسرائيلية. وقبيل إقامة الفرقة أخيراً حفلات في رام الله والقدس والجولان المحتل والناصرة وبيت لحم ويافا، أطلق فلسطينيو الداخل حملة أخرى معارضة لها، تحت شعار «تعالوا بعد التحرير».