ليس خافياً على أحد أنّ الإعلام اللبناني عموماً، والصحف خصوصاً، تعاني منذ فترة طويلة أزمة مالية حقيقية نتيجة عوامل عدّة. أزمة برزت معالمها جليّاً خلال العام الماضي مع تزايد موجات الصرف، وتأخّر مؤسسات في دفع مستحقات موظّفيها، ليكثر الحديث أخيراً عن احتمال تخلّي بعضها عن نسخته الورقية لمصلحة تلك الإلكترونية.
بعد تأخّر سبعة أشهر عن دفع مستحقات العاملين لديها، ترددت في الآونة الأخيرة أنباء تؤكد نيّة صحيفة «النهار» العريقة الانتقال نهائياً إلى الموقع الإلكتروني ودفن نسختها الورقية، فيما لا يزال موظفو المؤسسات الإعلامية التابعة لـ «تيّار المستقبل» ينتظرون رواتبهم المتأخّرة منذ أشهر. في 11 آذار (مارس)، أصدرت صحيفة «اللواء» مذكرة إدارية أعلنت فيها «فتح باب الاستقالة أمام من لا يستطيع الاستمرار في العمل في هذه الظروف القاسية».

اتصالات جارية مع نقابة الصحافة، على أن تبدأ اللقاءات مع المسؤولين خلال الأسبوع المقبل

أما ذروة المشهد المأساوي، فكانت أوّل من أمس مع توجيه رئيس تحرير جريدة «السفير» طلال سلمان «رسالة» مفاجئة إلى أسرة المؤسسة قبيل احتفالها بعيدها الثالث والأربعين. في النص الذي تحدّث فيه عن الظروف والتحديات الصعبة سياسياً واقتصادياً إضافة إلى ثورة المعلومات، أكد سلمان أنّ كلّ الاحتمالات «مطروحة للنقاش بما فيها التوقف عن الصدور»، مشدداً على أنّ حقوق العاملين فيها «مصونة، بل مقدّسة». الرسالة التي وقعت كالصاعقة على رؤوس العاملين فيها وزملائهم والقرّاء، تزامنت مع الحديث عن إمكانية حصر عملها في المستقبل عبر الشبكة العنكبوتية.
تزامناً مع الضجة والاستنكارات التي عمّت مواقع التواصل الإجتماعي، هبّ مجلس نقابة المحرّرين أمس لـ «بحث الأزمة المستجدة في عدد من الصحف التي لوّحت بوقف الصدور أو باتخاذ إجراءات تطاول العاملين فيها، نتيجة الأزمة الحادة التي تعانيها الصحافة الورقية التي تمثّل ذاكرة لبنان الوطنية والثقافية والاجتماعية». هكذا، عقدت النقابة اجتماعاً استثنائياً برئاسة النقيب إلياس عون وبحضور الأعضاء ومحامي النقابة. وبحسب البيان الرسمي، توصّل المجتمعون إلى مجموعة قرارات هي: عقد اجتماعات مع رئيسي المجلس النيابي والحكومة ووزيري الإعلام والعمل والبحث في وسائل تأمين ديمومة عمل الصحافة اللبنانية واستمراريتها، وعقد اجتماع طارئ مع نقابة الصحافة لتنسيق المواقف والاتفاق على خطة عمل، إضافة إلى اتخاذ نقابة المحرّرين الإجراءات الضرورية لتأمين ديمومة عمل الزملاء والتصدّي لأي عملية صرف تعسفي، كما تقرّر دعوة أصحاب الصحف إلى التريّث في اتخاذ أي خطوات متسرّعة بانتظار البحث عن حلول مشتركة، ووضع مكتب مستشارها القانوني المحامي أنطون حويس بتصرّف الصحافيين لتوفير الدعم القانوني اللازم لهم والرد على استفساراتهم.
الجميع يعرف أنّ صلاحيات نقابة المحرّرين صوَرية، كما أنّ العمل النقابي الفعلي مشلول. وفي ظلّ عدم احتضانها لكل صحافيي البلد، وغرقها في الحسابات الطائفية والسياسية والفئوية الضيقة، نصبح على يقين بصعوبة توصّل النقابة إلى نتائج ملموسة.
يبدو عضو مجلس النقابة واصف عواضة واقعياً في تعليقه على خلاصة الاجتماع. في إتصالنا معه، يبدي عواضة تفهّم النقابة للأزمة المالية التي تعانيها الصحف اللبنانية بسبب انحسار عائدات الإعلانات وتطوّر الإعلام الإلكتروني والسوشال ميديا، لكّنه يشدد على حرصها على «مصلحة الصحافيين»: «تهمّنا المحافظة على ديمومة العمل الصحافي، لكن من دون المس بحقوق العاملين في هذا المجال»، وفيما يقول إنّ النقابة «ستبذل كلّ ما في وسعها للمساهمة في التوصّل إلى حل»، يوضح أنّ الاتصالات مع نقابة الصحافة بدأت فعلاً، مرجّحاً أن تجرى اللقاءات مع المسؤولين خلال الأسبوع المقبل.