لم يندهش أحد من تنويه الأمين العام لمنظمة «مراسلون بلا حدود» كريستوفر دولوار، الذي تضمّنته مقدّمة التقرير الذي أصدرته الشهر الماضي. قال دولوار إنّ التقرير لا يضع في الاعتبار طبيعة الأنظمة السياسية، ومع ذلك يبدو واضحاً أنّ الأنظمة الديمقراطية تحمي حرية إنتاج ونشر الوقائع بطريقة أفضل من البلدان التي تهان فيها الحقوق البشرية الأخرى.

ولم يكن مفاجئاً أيضاً احتلال سوريا مجدداً المرتبة الأخيرة (176) قبل المثلث الجهمني الشهير: تركمانستان، وكوريا الشمالية، وأريتريا.

وبقيت الدول الأوروبية الثلاث فلندا وهولندا والنرويج في مقدمة تصنيف المنظمة المعنية بمراقبة حرية الصحافة للدول التي تحترم حرية الإعلام، لكن لغة التقرير اعترتها خيبة واضحة بسبب عدم تسجيل الدول التي هبّت عليها رياح «الربيع العربي» تقدماً كبيراً. رغم «الثورات»، لم تتحسن طريقة تعامل الأنظمة الجديدة مع الصحافة. تقدّمت مصر على نحو طفيف جداً، وبقيت في المركز 151، بينما تراجعت تونس أربع مراتب لتحتل المرتبة 138. صحيح أنّ ليبيا تقدّمت 23 مقعداً، إلا أنّها بقيت في المرتبة 131. أما السبب، فهو الفراغ القانوني الذي خلّفه سقوط الأنظمة، وتأليف حكومات جديدة، أو بسبب انقلاب تلك الحكومات على الصحافيين الذين أسهموا في نقل الواقع أثناء الاحتجاجات الشعبية. بالنسبة إلى سوريا، ذكر تقرير «مراسلون بلا حدود» أنّها كانت «الأكثر دموية» للصحافيين خلال العام الماضي، وأنّها لا تزال تقبع تحت وابل حرب إعلامية، يُستهدف خلالها الصحافيون قبل المواطنين العزّل، «من قبل نظام لا يتردد في ممارسة كل أنواع القمع، ومعارضة غير متسامحة مع كل من يخالفه الرأي». وقد سبق أن أصدرت المنظمة بياناً حول اختفاء فريق قناة «سكاي نيوز عربية» في سوريا الشهر الماضي (22/10/2013)، كما واكبت أحوال الصحافيين العرب والأجانب الذين يتعرضون لانتهاكات فاضحة. وفي السياق نفسه، رأت «رابطة الصحافيين السوريين الأحرار» أنّه مع انتهاء تشرين الأوّل (أكتوبر) الماضي، وصل عدد الضحايا الإعلاميين في سوريا إلى 211، منهم من مات تحت التعذيب في السجون، أو من جراء القصف على المناطق المتوترة، بينهم مصعب العودة الله، من دون الإشارة إلى مَن قتلته المعارضة والجماعات الأصولية، إضافة إلى مذيع التلفزيون السوري محمد السعيد، والصحافي ناجي أسعد، ومدير الأخبار الداخلية في وكالة «سانا» علي العباس. علماً أنّ النظام السوري ما زال يعتقل الصحافيين السوريين مهند عمر، وجهاد محمد أسعد، ومدير «المركز السوري للإعلام وحرية التعبير» مازن درويش ورفاقه، فضلاً عن عشرات الناشطين الإعلاميين.
في النهاية، أيّام سوداء ترخي بظلالها على قوائم وتصنيفات المنظمات الحقوقية والإنسانية مع احتلال سوريا المراتب الأخيرة بسبب الحرب الطاحنة التي تدور في ربوعها.