كأي شيء آخر، يكمن شيطان التفاصيل في قوائم الأفلام أيضاً. نظرة عامة على قائمة «أهم مئة فيلم عربي» التي أصدرها «مهرجان دبي السينمائي» أخيراً (تضم القائمة فعلاً 104 أفلام)، تظهر أنّ السينما المصرية احتلت بجدارة نصف القائمة، بـ 48 فيلماً، يُحذف منها (إنتاجياً) «المخدوعون» (توفيق صالح) لأنّه إنتاج سوري خالص (المؤسسة العامة للسينما)، ويضاف إليها فيلمان لبناني («هلأ لوين» لنادين لبكي) وعراقي («ابن بابل» لمحمد الدراجي) شاركت مصر في إنتاجهما.


يمكن رؤية الجدارة نفسها في القائمة المختصرة، أي الأفلام العشرة الأولى في الترتيب. مرة أخرى، تحتل مصر نصفها بخمسة أفلام. وهنا قد تتوقف النظرة العامة وتبدأ التفاصيل، فأحدث الأفلام المصرية في القائمة المختصرة هو «الكيت كات» لداود عبد السيد» (1991). وخلال الـ 22 عاماً التالية، لا تظهر أفلام مصرية في قائمة العشرة الأهم، بل يظهر «صمت القصور» للتونسية مفيدة التلاتلي (1994)، «بيروت الغربية» للبناني زياد دويري (1998)، و«يد إلهية» للفلسطيني إيليا سليمان (2001). لكن حتى قبل «كيت كات» داود عبد السيد، تختفي السينما المصرية طوال الثمانينيات والسبعينيات (باستثناء الفيلم «السوري» لتوفيق صالح «المخدوعون» 1972)، ويظهر خلال العقدين المذكورين السوري محمد ملص (أحلام المدينة ـ 1983)، والجزائري محمد لخضر حامينا (وقائع سنوات الجمر ـ 1975)، بينما احتلت مصر المراكز «الأقدم» في الترتيب، بفيلم يوسف شاهين «باب الحديد» (1958)، ثم شاهين مجدداً «الأرض»، وشادي عبد السلام (المومياء ــ المركز الأول) وكلا الفيلمين من إنتاج عام 1969. هذا الخط الزمني البادي في القائمة القصيرة، يزداد رسوخاً عند تصفح القائمة الكاملة التي اختارت فيلماً واحداً من كل عقدي الثلاثينيات «العزيمة» (1939) للرائد المصري كمال سليم، و«غزل البنات (1949) لأنور وجدي. يستمر الظهور المصري الخالص عبر 6 أفلام هي كل ما اختارتها القائمة من حقبة الخمسينيات مع «باب الحديد» لشاهين، «حياة أو موت» لكمال الشيخ ( 1954)، «دعاء الكروان» لبركات (1959)، «درب المهابيل» لتوفيق صالح ( 1955)، و«الفتوة» (1956) و«شباب امرأة» (1955) وكلاهما لصلاح أبوسيف. ثم يظهر محمد لخضر حامينا في «رياح الأوراس» ( 1966)، ليشكل الظهور «العربي» الأول والوحيد بين 9 أفلام اختارتها القائمة من عقد الستينيات، بينما تتواصل الهيمنة المصرية على بقية الأفلام، يتزعمها صلاح أبو سيف بثلاثة هي «بداية ونهاية» (1960)، «القاهرة30» (1966) و«الزوجة التانية» (1967)، ثم فيلمين لحسين كمال هما «البوسطجي» (1986)، و«شيء من الخوف» (1969)، وهنري بركات «الحرام» (1965)، ويوسف شاهين «الأرض» (1969)، وأخيراً شادي عبد السلام «المومياء» (1969). تشكّل سنة 1969 تحولاً جذرياً في القائمة السينمائية، يتوقف عندها الترادف بين مصطلحي الفيلم المصري والفيلم العربي، ويصبح الأول جزءاً محدوداً من الثاني. في عقد السبعينيات، يحتل الفيلم المصري 7 مواقع فقط من أصل 20 فيلماً في القائمة، وتبدأ أسماء عربية بفرض نفسها مثل اللبناني برهان علوية «كفر قاسم» (1974) والسوري عمر أميرلاي «الحياة اليومية في قرية سورية» (1974). ويظهر المغرب العربي مجدداً عبر «جمر» حامينا، والمغربي أحمد البوعناني «السراب» (1979)، بل تظهر الجزائر شريكة في إنتاج مصري للمرة الأولى عبر «العصفور» (1972) و«اسكندرية ليه؟» (1979) ليوسف شاهين، والخليج العربي عبر الكويتي خالد الصديق «بس يا بحر» (1972).
هذا الوضع «السبعينياتي» يترسخ لاحقاًَ، فتشهد الثمانينيات 8 أفلام مصرية من أصل 21، و8 أخرى من أصل 20 في التسعينيات. أما العقد الأول بعد الألفية، فيشهد هبوطاً مصرياً حاداً، يقتصر على 5 أفلام من أصل 21، وهي النسبة الأقل، خاصة لو وضعنا في الحسبان أنّ من الأفلام الخمسة هناك «هي فوضى» (2007) لشاهين الذي لا يعد أفضل أعماله، وكان مدهشاً دخوله القائمة. وكذلك «المصير» و«المهاجر» على حساب «الاختيار» (1970) مثلاً أو «الناصر صلاح الدين» (1963). ولا يغير من الوضع المصري السيئ في «الألفينات» أن يُحتسب «باب الشمس» مصرياً نسبةً لمخرجه يسري نصر الله.
لكن تعود «قائمة دبي» (صدرت في كتاب حرّره زياد عبد الله) لاختيار 3 أفلام مصرية من بين 5 مثّلت الفترة ما بعد 2010، لكن يلاحظ هنا أنّ بينها فيلمين لمبدعي السينما المستقلة «الخروج للنهار» لهالة لطفي ( 2013)، و«ميكروفون» لأحمد عبدالله» (2010)، وفيلم المخضرم داود عبد السيد «رسائل البحر» (2010) الذي عطّلته كثيراً الظروف الإنتاجية، يعني ذلك باختصار أنه بعيداً عن السينما المستقلة، فإن «صناعة السينما» في هوليوود الشرق، تعجز منذ سنوات عن تقديم أفلام تصلح لقوائم «الأهم» أو «الأفضل» أو أياً كان.
كان المعيار الوحيد لقائمة دبي أن يكون إنتاج الفيلم عربياً ولو بالشراكة. لكن طريقة الاختيار التي طلبت من كل مشارك اختيار 10 أفلام (بدلاً من مئة)، ولم تقرر ترتيباً أو نقاطاً تنازلية من الأول إلى العاشر، أخرجت أفلاماً استحقت على حساب أخرى. كما في «هي فوضى» مع «العصفور»، كذلك فإنّ «بين القصرين» (1964) لحسن الإمام ربما كان أولى من «خللي بالك من زوزو» للمخرج نفسه. وبدا ظهور وحيد حامد خافتاً جداً بسيناريو وحيد في «البريء» (عاطف الطيب -1986)، بينما غاب من تأليفه مثلاً «طيور الظلام» (1995) للمخرج شريف عرفة الذي لم يظهر إطلاقاً، تماماً كما غاب فطين عبد الوهاب، وغابت الكوميديا كأنّما لم يسمع أحد باسماعيل ياسين أو فؤاد المهندس أو غيرهم من المضحكين العظام.
محمد...