*

في شباط (فبراير) 2011، كنت رشحت كتاب «من إسلام القرآن إلى إسلام الحديث: النشأة المستأنفة» ليكون كتاب جلستنا الثقافية الشهرية في مقهى الصديق كريم المدحوب (بيستاشيو) في المنامة. كنت متحمساً كثيراً للكتاب، وأردت من خلاله أن أثير جدلاً فكرياً ودينياً حول التوظيف السياسي لمدونات الحديث، وكيف لعبت دوراً كبيراً في صناعة المذاهب الدينية، والاحترابات الطائفية. كان الكتاب ممنوعاً في بيروت والخليج، وحصلت على نسخة منه عبر الصديق محمد المبارك الذي تكفل بإحضاره لي من الخارج.
لقد سبقنا حدث «14 فبراير» في البحرين، ودخلت قوات الجيش السعودي في 16 آذار (مارس) 2011 فصرنا خارج الحلقة الثقافية. حدث ما يشبه الشلل الثقافي أو الموت الذي أوقف كل شيء. ولعل جملة جورج طرابيشي الذي ختم بها شهادته حول محطات تحوله الست معبرة تماماً عن لحظتنا: «يبقى أن أختم فأقول إن شللي عن الكتابة، أنا الذي لم أفعل شيئاً آخر في حياتي سوى أن أكتب، هو بمثابة موت. ولكنه يبقى على كل حال موتاً صغيراً على هامش ما قد يكونه الموت الكبير الذي هو موت الوطن».
بالنسبة إليّ، لم يكن رحيل طرابيشي موتاً صغيراً، فمساحة كبيرة من حياتي الفكرية مدينة له. تعلمت من كتبه ما فتح لي مغاليق الفلسفة ونصوص التراث وتاريخ المعرفة. كان مشروع «نقد نقد العقل العربي» بمثابة الفتح المعرفي. فبقدر ما كان خطاب محمد عابد الجابري آسراً، فقد كاد أن يغلق باستنتاجاته إشكالات فهم تراثنا وحاضرنا. وشخصياً، ما كان لي أن أذهب في أطروحتي للدكتوراه في المجاز الفلسفي والصوفي (التفكير عبر المماثلة) عند إخوان الصفا وابن عربي، لولا الثقة التي اكتسبتها من خطاب طرابيشي في نقده للجابري الذي وقف موقفاً حاداً من كل معرفة غير مؤسسة على المنطق الأرسطي، واعتبارها عقلاً مستقيلاً أو تفكيراً خارج العقلانية، وعزو أسباب تخلفنا لها.

لولاه، لما ذهبت إلى ابن عربي وإخوان الصفا

في مقابل هذا الموقف الحاد من المماثلة وممثليها عند الجابري، وقف جورج طرابيشي على الضد من ذلك، وأعاد للمماثلة اعتبارها المعرفي، واعتبر ممثليها في الثقافة العربية نموذجاً من نماذج الاستنارة التي أعطت لحضارتنا خصوبتها المعرفية.
أحد أبرز ممثليها طبعاً هو ابن عربي من جانب ما، وإخوان الصفا، وهؤلاء أيضاً ما كنت أتجرأ على دراسة خطابهم الفلسفي باعتبار تفكيرهم الفلسفي عبر المجاز أحد أشكال الإبداع والاستنارة والمعرفة العقلانية، لولا طرابيشي. وكم كنت فرحاً بقراءة المحطة الخامسة المتعلقة بإخوان الصفا في شهادة طرابيشي على تجربته. فقد بدأ مشروع نقده للجابري من هامش صغير يحيل إليهم، فأخذ هذا الهامش يكبر ويكبر حتى صار مشروعاً كبيراً اسمه «نقد نقد العقل العربي».
عبر «نقد النقد» هذا، أدركت الأبعاد المعرفية لمجاز إخوان الصفا (العالم إنسان كبير) ومجاز الفيض. كان الجابري يعتبر هذه المجازات دليلاً على الغنوصية وغياب العقل وضياع الفلسفة، بل الجابري هرمس، كل من استخدم المجازات التي تمثل الكون كلاً واحداً متصلاً متبادل التأثير، كما هو الأمر مع جابر بن حيان الذي قال: «إن في الأشياء كلها وجوداً للأشياء كلها». وكما فعل مع صاحب كتاب الفلاحة النبطية الذي قال: «الإنسان شجرة مقلوبة، والشجرة إنسان مقلوب»، إضافة إلى ابن سيناء.
مع طرابيشي، عرفت أن مجاز «العالم إنسان كبير» كانت مشاعاً عاماً في الفلسفة اليونانية والثقافة الهلنستية. كذلك كانت ملقاة في الطريق العام للثقافة العربية الإسلامية، من دون أن تكون علامة خاصة على التهرمس. وقد استعملها الكندي، وابن باجة، والجاحظ، والتوحيدي. وهي تعبر عن آلية من آليات التفكير الفلسفي والعقلاني.
ربما يكون الأهم من كل ذلك، أنني مدين لطرابيشي بفهم مصطلح فلسفي صعب جداً ورد في نص أرسطو واستخدمه إخوان الصفا بغزارة، كما استخدم في نصوص تراثنا الفلسفي والصوفي، وهو «العقل الفعّال». قدّم طرابيشي مراجعة نقدية لإشكالات مفهوم العقل الفعّال في نص أرسطو نفسه، ونصوص الشرّاح والفلاسفة بعده. وقد أفدت من هذه المراجعة إفادة كبيرة في فهم مجازات إخوان الصفاء المتعلقة بفيض العقل الفعّال.
إن لهذا الفهم أهمية كبيرة، في تقييم تراثنا. فقد وضع الجابري في مشروعه نصوص التصوف والفلاسفة المشرقيين كابن سيناء في خانة اللاعقل واعتبرها مسؤولة عن غياب العقلانية والتخلف وعدم قدرتنا على الوصول إلى عصر النهضة.
سيظل طرابيشي عالماً كبيراً، وستضرب شجرته بجذورها في فضاء ثقافتنا (الإنسان شجرة مقلوبة) وستثمر يوماً وتحيل هذا الموات نشأة مستأنفة أخرى.

*كاتب من البحرين.