«من هو الانتحاري؟» سؤال فرض نفسه في الآونة الأخيرة على وسائل الإعلام مع اقتحام ظاهرة الانتحاريين المشهد اللبناني. في بعض التقارير التي عرضت على الشاشات، بدت مقاربة الموضوع تتسم بالكثير من الخفة والمراهقة، أو تنم عن نية مقصودة في دمج المفاهيم بعضها ببعض، بحيث يصعب التمييز بين الانتحاري والاستشهادي.


يوم الأربعاء الماضي، أي بعد يوم واحد على تفجيري بئر حسن، فُتحت شهيّة القنوات للإضاءة على موضوع الانتحاريين: من هم هؤلاء؟ كيف يستعدون لعملياتهم الإرهابية؟ أسئلة كانت حاضرة في تقارير ثلاث قنوات محلية. بعضها لم يُقم أي اعتبار بأن هناك موتاً في سبيل قضية محقة كمقاومة الاحتلال الذي تشرّعه الأعراف الدولية، وموتاً آخر عبثياً ضد أناس عزّل، حيث يفترض الانتحاري أنّه يجب قتلهم لأنّهم مختلفون عنه، أكان في الانتماء الايديولوجي أو السياسي أو الثقافي أو الديني.
في تقرير lbci، كان لافتاً التركيز على عنصر المُستهدف الذي كان هنا القوات الأميركية التي جاءت جحافلها الى بيروت ضمن القوى المتعددة الجنسية واستقرت فيها. الشريط عرض صوراً لـ «أكبر عملية أمنية يشهدها لبنان» استهدفت «المارينز» على طريق المطار عام 1983 كما أورد معدّ التقرير يزبك وهبي مع شاحنة بلغت حمولة المتفجرات فيها 6 أطنان من مادة TNT. بعدها، عرّج وهبي على القوات الفرنسية التي أخذت نصيبها أيضاً في اليوم نفسه مع وقوع أكثر من 85 قتيلاً. وضع وهبي «المسؤولية على«الجهاد الإسلامي» الاسم الحركي لـ «حزب الله» عند انطلاقته»، كما قال. بعدها، دخل المراسل صور (جنوب لبنان) ليتحدّث عن العملية التي نفذها أحمد قصير عام 1982 بصفتها «أولى العمليات الانتحارية» ضد مبنى الحاكم العسكري الإسرائيلي، إذ قتل أثناءها 40 ضابطاً صهيونياً. ولم يكتف وهبي بذلك، بل أضاف في نهاية تقريره «سلسلة عمليات نفّذها كل من «حزب الله» و«أمل» و«البعث» و«القومي» من 1983 الى 1999 ضد قوافل اسرائيلية». طبعاً هنا أدخل وهبي خلطة غريبة عجيبة في اصراره على مساواة الانتحاريين العبثيين بأولئك الذين قاوموا الاحتلال وصولاً الى دحره عام 2000.
تقرير «الجديد» لم يكن أشفى حالاً. بعنوان «نظرة في رؤوس الانتحاريين»، لم يُظهر التقرير الفرق بين «الانتحاري» و«الاستشهادي». سأل جاد غصن: «من هذا الذي يهرع الى الموت قتيلاً؟». أتى الجواب من المعالج النفسي نبيل خوري، الذي وضع ظاهرة الانتحاريين في اطار تاريخي، عائداً الى اليابان وكيفية اعدام الساموراي نفسه عندما يعجز عن الاستسلام. تقرير سجّل 1500 عملية «انتحارية» حصلت في سبعينيات القرن الماضي بين بلدان العراق وافغانستان وباكستان واليوم لبنان. وحدها mtv (على غير العادة) أعطت تقريرها عن الانتحاريين صفته العلمية وحدوده المنطقية عبر الإضاءة على ماهية الانتحاري وعقيدته وكيفية استعداده للعملية الإرهابية عبر الاستعانة برأي الخبير في الجماعات الأصولية أحمد موصللي. في هذا التقرير الغني بالصور الدلالية عن الانتحاريين، تعرّف المشاهد إلى ظروفهم وعدم اكتراثهم بالموت بسبب اعتقادهم بأنهم «يعلون كلمة الإسلام» مع افتقارهم طبعاً الى أي رادع أخلاقي في قتل الأبرياء.

يمكنكم متابعة زينب حاوي عبر تويتر | @HawiZeinab