يمكننا تشكيل صورة توضيحية للهيئة التي يظهر عليها مكاوي سعيد (1956) وهو يقيم في منطقة وسط البلد في القاهرة ليكتب عن أحوالها وأحوال ناسها: شخص ضخم يقعد على كرسي كبير مستقر في مدخل المنطقة، صاحب عيون كثيرة تمنحه قدرة مراقبة كل شيء يحدث هناك. وعلى هذا، يمكننا وصف الروائي المصري بـ«أرشيف وسط البلد» وذاكرته. أعماله تقول هذا أيضاً بدءاً من «مقتنيات وسط البلد»، وليس انتهاءً بـ«كراسة التحرير» الذي يصدر قريباً. أشغال كتابية تبحث في الناس وأحوالهم وتحوّلات المكان ذاته. لكن يبدو أنّ صاحب «الركض وراء الضوء» مختلف هذه المرّة في إصداره الجديد «أحوال العباد» (دار نون ــ الإمارات). يصنّفه بـ«كتابة خارج التصنيف» رغم كونه كتابة تقيم في المنطقة التي يهواها. يقول مكاوي سعيد إنّ هذه المغايرة فرضتها ظروف كتابة العمل. «عندما طُلب منيّ كتابة مقالة أسبوعية لجريدة «الأهرام»، أنجزتُ نصوصاً أقرب إلى الحكاية منها إلى المقال السياسي.


كما أنه ليس شرطاً أن أكتب في السياسة مباشرة. لا أحب هذا النوع من الكتابة» يقول «عمّ ميكي» (التسمية التي يناديه بها أصدقاؤه).
في هذه الـ«كتابة خارج التصنيف»، نجد صاحب «فئران السفينة» يواصل هوايته الأثيرة في تتبع تفاصيل و«أحوال العباد» من الناس العاديين وخطواتهم في الحياة. يعود إلى فضاء المهمّشين (نماذج نجدها بكثافة في كتابيه «تغريدة البجعة» و«مقتنيات وسط البلد»)، مع استخدام مهاراته وخبرته واقترابه من «أطفال الشوارع» الذين يرفض وصفهم بالمتسولين. يشرح مفهومه هذا، مشيراً إلى أنّ لدى جماعة أطفال الشوارع أهلاً وبيوتاً وأصلاً اجتماعياً «لكن أصحابها امتلكوا فكرة الخروج على السلطة الأبوية والتنميط الاجتماعي المسبق المألوف». يظهرون كتكوين رافض لتغيرات حياة مدنية حديثة «لم يجدوا أنفسهم فيها». وعليه يرى سعيد أنّه لا يمكن اعتبارهم جماعة ساعية لكسب رزقها عبر التحايل والتسوّل، مؤكداً أنّ هذه الجماعة تمتاز بقانونها الخاص غير المطابق لقانون المجتمع، «فضلاً عن اعتبارها جماعة من أرفع الجماعات البشرية في طريقة بحثها عن الحرية». يتضمن الكتاب نموذج «وردة» في حكاية «الخطر القادم» وهي الصبية التي حملت من رفيق في الشارع لم تعرف هويته. وعندما اقترب موعد الولادة، أدخلها فاعلو خير إلى إحدى دور رعاية أولاد الشوارع، لكنها لم تحتمل البقاء رغم الراحة والنظافة التي كانت الدار توفّرها. هكذا، هربت في منتصف الليل لتنام مع رفاقها في الشارع وتعود صباحاً، إلى أن تم طردها بعدما تكررت حالات هروبها وهو ما يخالف أنظمة الدار. وعندما سألها مكاوي عن سبب هروبها من الغرفة النظيفة والسرير المرتب والدفء والعودة إلى النوم على الأرض في العراء، أجابته وردة بـ«أنّ الجدران تخنقها والنوم على الأرض يمنع عنها الكوابيس وأنّها تحب الحرية ولا تطيق أن ينهرها أي شخص».
ويبدو المؤلِّف سعيداً وهو يروي حركات هؤلاء الناس العاديين ويسجّل أيّامهم. رصده لما يجري في زمنهم يظهر في الأساس زمنه هو لتقاطعه الشخصي معهم وتماهيه في تفاصيلهم الصغيرة التي التصق بها عن قرب خلال الزمن الماضي والحاضر. لا غرابة هنا أن يأتي إهداء الكتاب «إلى الزمن الذي يتسرب من بين أصابع الكف والذي كنت شاهداً عليه أحياناً، وفي بعضه الآخر كنتُ في موضع مشاهدة».
لن يكون صعباً على قارئ «أحوال العباد» التقاط خيوط تلك المتعة الممتدّة بين مساحة الحكايات المنثورة على صفحات الكتاب واختلاطها باستذكارات طريفة ومواقف صادفها مكاوي سعيد في الأيام الكثيرة الماضية وكانت منطقة وسط البلد مسرحاً لها، مثلما حين قرر الاستقالة من وظيفته كمحاسب في شركة مقاولات من أجل التفرغ لمهنة الكتابة، وهو القرار الذي ظهر أنه لم يكن محسوباً بدقة من جهته؛ فقد خسر الفتاة التي كان سيرتبط بها بسبب اكتشاف والدها استقالة مكاوي، وبالتالي عدم قدرته على ضمان مستقبل ابنته «وأنهى مشروع الزواج بحزم». أمر جعله بعدها (وإلى اليوم) بلا عمل رسمي. يداوم الجلوس «في ظل شجرة عتيقة في مقهى «زهرة البستان» في وسط البلد» مع صديقه المخرج التلفزيوني الذي امتنع عن العمل في «ماسبيرو» (التلفزيون المصري الرسمي) لأسباب عديدة، مؤمناً بالمثل الشعبي القائل إنّ «الشغل بيجيب الفقر».
يبدو مكاوي سعيد مستمتعاً وهو ينتقل من «ثورة يناير» إلى اليمن السعيد. بشكل ساخر، يرسم صورة للرئيس السابق علي عبد الله صالح كواحد من هواة الكتابة بعد إزاحته عن منصبه وقرار اعتزامه كتابة مذكراته الشخصية بعنوان «قصتي مع الثعابين» اتساقاً مع ما كان يردده طوال سنوات من أنّ حكم اليمن هو عملية أشبه بالرقص على رؤوس ثعابين.




ثورة على طريقة «الأهرام»

إنّها المرّة الأولى التي يكتب فيها مكاوي سعيد مقدّمة لكتاب أنجزه يشرح فيها ظروفه وحيثياته. في مقدمة «أحوال العباد»، يشير إلى أنّه مع بعض الكتّاب أنجزوا نصوصاً كُتبت بعد «ثورة يناير» بطلب من جريدة «الأهرام» التي «رغبت في الظهور بوجه ثوري حتى ينسى الناس انحيازها السافر للرئيس المخلوع». لكن سرعان ما تم الاستغناء عن هؤلاء الكتّاب بشكل تدريجي من دون دفع مستحقاتهم المالية «أخبروني بفجاجة أن السيّد عبد الفتاح الجبالي رئيس مجلس إدارة المؤسسة العريقة اعتذر عن عدم صرف مستحقاتنا المالية من دون إبداء الأسباب». ويؤكد مكاوي أنّه تعمّد ذكر هذه الواقعة في مقدمة كتابه «علّها تصبح وثيقة في المستقبل تعرّف الأجيال الجديدة كيف كان بعضهم يتعامل مع الكتّاب بعد انتهاء الغرض من استكتابهم».