بعد ربع قرن على مجموعته الأولى «بورتريه لرجل من معدن» (1988)، يعود اسكندر حبش في قصيدته الجديدة «لا شيء أكثر من هذا الثلج» الصادرة حديثاً عن «دار التّكوين» في دمشق، ليفتح الباب على مصراعيه للتساؤل عن ماهية الشعر. وإذا كان إصدار هذه القصيدة الوحيدة في كتاب من دمشق في هذه الأوقات بالذات، قد يحمل رسالةً من الشاعر اللبناني إلى العالم مفادها أنّ دمشق ما زالت قادرة على إنتاج الشعر كمعادلٍ للحياة، ولم تتحوّل إلى مدينة لا تنتج إلا الموت والدم، فإنّ القصيدة جاءت ليكتب فيها اسكندر خراب نفسه، وخراب العالم حوله، وهو ما عبّر عنه الشاعر وديع سعادة في تقديمه للقصيدة: «لا يكتب اسكندر حبش خراب نفسه وحدها، أخاله يكتب خراب كلّ الكون، لا يكتب موته وحده، بل يكتب موت العالم كلّه».


«لا شيء أكثر من هذا الثلج» تأتي اليوم نصّاً ناضجاً، حيث النضوج هو إعادة إنتاج الأسئلة والتخفّف من الادّعاء بامتلاك الأجوبة. وربّما هذا ما دفع الشاعر إلى أن يسم نصّه الشعريّ بكلمة «نص» على الغلاف، من دون الإشارة إلى شعريته، فهل هو نصّ نثري أم شعري؟ هل تنتفي الشعرية عنه لتخفّفه من البلاغة، وتخلّيه عن الموسيقى التي لازمت الشعر زمناً طويلاً؟ أسئلة يبدو الشاعر غير معنيّ بالإجابة عنها وهو يتيه مع صوته في اللغة، محاولاً الوصول إلى عبثٍ لا بد من أن توصل الحياة إليه: «عبثاً سترسم القصب وسيرة النهر، وأولئك الرعاة الذين مرّوا قبل أن يتركوا خلفهم ظلالاً تحجّرت».
شعريّة النّص عند حبش لا تحتاج إلى دعائم خارجيّة، فهي نابعة من روح النص المتخفّف من اللغة لصالح لحظات هامشية تتكثّف معه لتعطي معنى الوجود. «لتقترب، ومن ثمّ مياه. لتقترب، ومن ثمّ مرتفعات. لتقترب، ومن ثمّ حروف علّة. لتقترب، ومن ثمّ اندثار أشياء. لتقترب، ومن ثمّ... فراغ».
أمّا اللغة فتحوّلت في هذا النص إلى ستارة شفيفةٍ ترخي خفّتها على القارئ لتورّطه في ارتكاب القصيدة. القارئ لدى حبش ليس متلقياً أو مستمعاً. إنّه شريك في صناعة النّص، وشريك في مصير حيواته: «وحين يُفتح لك الباب، سيكون العالم قد أصبح قديماً. لا تتوقف عند العتبة، بل تقدّم إلى نهاية الحديقة. وما أمامك من تراب، هو العالم الوحيد الممكن لأنك لم تسكن سوى الطفولة. لم تسكن إلّا في الكتاب».
بين الدفء والبرد، بين العتمة والنور، بين السواد والبياض تتمدّد الجملة لترسم آفاقاً جديدة للعالم، آفاقاً ترتسم ظلالها على جدران الذاكرة الخفيّة حيث الاسم بدون ذاكرة، والاسم بدون اسم، وحيث «لا يتبقّى لك منه سوى الرّمل». حين «لا شيء أكثر من هذا الثلج»، ينسحب السّلام من بياض الثلج، وينحسر الهدوء، تاركاً الحياة مفتوحة على الخراب والألم والموت. رمادٌ دافئ يتناثر فوق صقيع الثلج النّاصع «ومع ذلك ترعبني حركة الليل. يرعبني هذا الخيط الذي ليس للانتحار».
وإن كان الشّعر هو قَدَر الشّاعر النّابع من تجارب موغلة في الشخصانيّة، فإن التجارب في «لا شيء أكثر من هذا الثلج» تغدو عامّة. التماهي واضح بين تجارب الشاعر الشخصيّة، وتجارب قرّاء مفترضين. تماهٍ يخلق اللغة من العدم، ويمضي بها لتكتبَ الألم: «وكلّ هذا الألم ليس سوى تنويعات على اللغة التي حفظتها». «وحين لن تستطيع دعوة الأموات كي ينهضوا مجدداً. وإذا ما حفظت الصورة، فلن تجد شيئاً أكثر من هذا الثلج الذي يتداعى كالنور».
وإذ يدعو حبش مَن ينظر صوب الكثافة عند أطراف اللغة إلى «تذكّر المسافر الذي نسي حقيبته فوق رصيف المحطّة، تذكّر لأنه غادر أيضاً قبل أن يأتي القطار»، فإنّه يمضي في عالم الشعر مع نصّه الجديد، حاملاً حقيبةً مثقلةً بأرواحٍ تتراقص ظلالها على الثّلج، تاركةً فوقه لطخاً من عتمة الليل، لتؤكّد أنّها الحياة. يصرخ فيها صراخاً مهذّباً، ناعماً، يبدو خارجاً من تحت الرّماد، مؤكّداً «تذكّر. لأنّك حين تمضي، لم يعد أمامك سوى تراب الحديقة، هذا هو عالمك الممكن، منذ الآن». الحياة هي المسافة بين الولادة والموت، بين النور والعتمة، بين الدفء والبرد، اعتراضٌ بين فاصلتين: «لأنك هنا، بين فاصلتين، تذكّر ذلك، تذكّر حين تضع نقطة النهاية في آخر الجملة أو في... آخر الحياة. لا شيء أكثر من هذا الثلج. لا شيء أكثر. لا شيء».