الروح القومية هي جزء أساسي في الفن الذي أنجزه بول غيراغوسيان (1925 ــــ 1993). تلك الروح الأرمنية المتحدّرة من مجزرة شعبه، ومأساة أهله في تغريبة النزوح التي قادتهم في رحلة طويلة عبر سوريا إلى القدس، ثم بيروت. الروح التي ستختلط لاحقاً بحياة الناس ومشهدياتهم اليومية، وتذوب في قاماتهم المنكهة وملامحهم العادية. لقد عاد غيراغوسيان مرات عدة إلى هويته المجروحة، ورسم جموعاً في مجزرة، وأشخاصاً ناجين منها. كانت هذه العودات المتكررة استثماراً للاحتياطي التراجيدي والثريّ لهويته كإنسان وفنان. لعلّ الصلة القوية مع التعبيرات التشخيصية بدأت من تلك اللحظة الوجودية المرتبطة بهشاشة حياة النازح في المكان الرجراج، وعلاقته بالبشر في مجريات أيامهم وآلامهم وأعمالهم. الخليط الأرمني والمقدسي والبيروتي وجد إقامةً لائقة في لوحاته التي تساوت فيها القسمات والعلامات الفارقة لصالح «الحالة الإنسانية» التي شكّلت جوهر تجربة غيراغوسيان ونظرته إلى العالم، وها هي الصفة ذاتها تصبح عنواناً لمعرض استعادي ضخم يحتضنه «مركز بيروت للمعارض» في الذكرى العشرين لرحيله، ويضم أكثر من 100 لوحة منجزة على امتداد أربعة عقود.


الواقع أن الزمن لا يُغيّر الكثير في شغل الفنان الذي ظلت تلقائيته تسبق التقنيات والتأثيرات التي كانت تتسرب إلى أعماله. التلقائية هي تلك البراعة التي حافظت على نفوذها الخشن، وإن اكتسبت ضرورات الصقل والاحتراف. كأن اللوحة الغيراغوسية بدأت ناضجة ومكتملة منذ بداياتها، بينما كانت التطورات اللاحقة تحدث في الجوار القريب والملتصق بمفرداتها ومناخاتها المبكرة. سيُحكى دوماً عن تأثيرات الأيقونات الشرقية، وعن لطخات فان غوغ وغوغان، وعن ظلال بيكاسو وماتيس، ولكن ينبغي أن يُحكى أيضاً عن مهارة غيراغوسيان في تحويل كل ذلك إلى مقتنيات ومنجزات شخصية. بطريقة ما، يبدو غيراغوسيان منتمياً إلى أزمنة هؤلاء أكثر من كونه متأثراً بممارساتهم. لا نسوق ذلك للقول إنه فنان عالمي، بل لنتحدث عن أصالة فنه، وعن قيمة هذا الفن المتحصّلة من سيرة ذاتية وفنية قريبة من سير الفنانين الكبار الذين أنصتت أعماله إلى أعمالهم. أفكار وانطباعاتٌ مثل هذه ترافقنا ونحن نتجول في المعرض الذي أُهمل فيه التسلسل الزمني لإنجاز اللوحات المعروضة فيه، وتم توزيعها على عناوين مثل: الذات والعائلة والأمومة والألم والمنفى وحركة الشارع والعمال والروحانيات. عاش بول غيراغوسيان في قلب الحداثة البيروتية حين كانت مختبراً للأسئلة والتجريب، ولكنه حافظ على صلته بالبشر الذين واظبوا على الحضور في سيناريوهات لوحاته. رسم بورتريهات ذاتية كثيرة. رسم أفراد عائلته. رسم الناس في برج حمود حيث كان يقيم، وحركة الناس في شوارع العاصمة. الناس هم أبطال لوحة غيراغوسيان. الناس المتلاصقون بمكوناتهم اللونية المنحدرة من الأعلى إلى الأسفل، بوجوههم الممحوّة الملامح وقاماتهم المتطاولة التي صارت جزءاً من هوية الفنان، ودليلاً إلى لوحته من دون الحاجة إلى التأكد من إمضائه. حضوره الذاتي في الأوتو _ بورتريهات العائدة لأزمنة مختلفة هو انغماسٌ في «الحالة الإنسانية» الشاملة لشخوصه.
الفن الأيقوني حاضرٌ في تأليف البورتريهات ولوحات الأمومة والمجموعات البشرية. هناك روح شرقية تتغذى من منابع وجذور مختلفة، وتصبح في النهاية جزءاً من لوحته التي تُدهشنا بقوتها التعبيرية الهائلة. لا فرق إن كانت اللوحات منجزة بالفحم أوالحبر أو الزيت أو الإكريليك. هناك بصمة غيراغوسيانية تشعّ وتتوهج وتصل إلينا بسرعة تفوق إحاطتنا بعناصر اللوحة أو موضوعها. البصمة مصنوعة من مطاردة الفنان لآلامه الشخصية وآلام الناس الذين عرفهم عن قرب أو اكتفى بتأمل حيواتهم البسيطة والبائسة. لعل تعبير البؤس البشري هو جوهر الحالة الإنسانية التي تنبعث من عنوان المعرض، ومن الأعمال التي ترشحُ منها أحزان الناس وعزلتهم وفقرهم وبساطتهم.
بعد عشرين عاماً على غيابه، لا تزال أعمال غيراغوسيان محتفظة بروح معاصرة وراهنة. كأن البراعة التعبيرية التي بُذلت فيها قادرة على ترحيل هذا الفن إلى أزمنة تالية. خلود تجربته موجود في تلك الشحنة الانفعالية والعاطفية التي تتفجّر في أشكاله البشرية، وفي قدرته على ضبط هذه الأشكال، والتقاط مزاجها الحياتي الفردي والجماعي وهي تسعى في نهر الحياة الهادر.

* «بول غيراغوسيان: الحالة الإنسانية»: حتى 6 كانون الأول (ديسمبر) المقبل ـــ «مركز بيروت للمعارض» (بيال). للاستعلام: 01/980650

يمكنكم متابعة حسين بن حمزة عبر تويتر | @hbinhamza




اللوحة والمسرح

إلى جانب اللوحات التي تقدم صورة شبه متكاملة عن تجربته، هناك أعمال واسكتشات على الورق تُعرض للمرة الأولى، إضافة إلى مجموعة أرشيفية تضم الكثير من الأفلام التوثيقية والمقالات والمقابلات. المعرض الذي يشرف على تنظيمه سام بردويل وتيل فيلراث، وشاركت فيه ابنته إيمانويلا غيراغوسيان، أُريد له أن يقدم بطريقة مختلفة، حيث تم تقسيم فضاء المركز على شكل مجموعات منفصلة _ متصلة، بينما وُضع في المنتصف جزء من ثلاثية كان الفنان الراحل قد صممها كديكور لمسرحية «إضراب الحرامية» التي عُرضت سنة 1970. التقسيم المقترح يجعل المعرض الضخم مؤلفاً من معارض عدة، بينما تذكرنا جداريّته الديكورية بتعاونه المتكرر مع مخرجين وكتّاب وشعراء، وخصوصاً تعاونه مع المخرج جلال خوري في أكثر من عرض مسرحي.