ضمن الاحتفال الاختتامي لـ«مهرجان السينما الأوروبية»، تعرض «متروبوليس أمبير صوفيل» الليلة للمرة الأولى النسخة المرممة حديثاً من الفيلم الصامت «متروبوليس» (1927) لفريتز لانغ (1890 ــــ 1976) التي قُدِّمت في «مهرجان برلين السينمائي 2012». ترافق الفيلم موسيقى حية من عزف وتأليف اللبناني ربيع بعيني إلى جانب عازف الإيقاع الإيطالي توماسو كابيلاتو.

يعدّ «متروبوليس» أول فيلم خيال علمي طويل في تاريخ الفن السابع بعد «الرحلة إلى القمر» (1902) لجورج ميلييس.

ينتمي الشريط إلى المدرسة الفنية التعبيرية الألمانية ويتناول الصراع بين الطبقات وبين الإنسان والآلة ضمن إطار متخيل لمدينة صناعية ضخمة تحت الأرض اسمها متروبوليس. قد يتشابه «متروبوليس» مع فيلم «الأزمنة الحديثة» (1936) لشارلي شابلن من حيث القلق من العصر الصناعي، وتحوّل الإنسان إلى آلة، أو الخوف من استبدال اليد العاملة بالآلات. وإذا كان شابلن قد اعتمد على الكاريكاتور السياسي الساخر، فلانغ قدم نسخة أكثر تراجيدية. لقد رسم صراعاً كلاسيكياً بين الخير والشر حيث يبدو مؤيدو الحداثة كعملاء الشيطان من خلال ثنائي المخترع الشرير الذي يعمل إلى جانب مؤسس المدينة الصناعية متروبوليس، ومن جهة أخرى الثنائي الملائكي متمثلاً بإبن مؤسس متروبوليس الذي يسعى إلى العدالة الاجتماعية إلى جانب ماريا التي تبدو أشبه بقديسة من خلال عظاتها المستوحاة من النصوص الدينية كقصة برج بابل. يقترح العمل حلاً قد يبدو رومانسياً إلى حد ما، متمثّلاً في الجملة الشهيرة التي تتردد في الفيلم: «بين العقل الذي يخطّط واليد التي تبني، يجب أن يكون القلب هو الواسطة». لكن أهمية «متروبوليس» الذي تجعله من أهم المحطات في تاريخ الفن السابع، تكمن في لغته السينمائية الفريدة والرؤية المستقبلية السابقة لعصرها التي يجسّدها. من خلال المؤثرات الخاصة البدائية المتوافرة في ذلك الوقت وتقنيات معقدة، وأسلوب التصوير والتقطيع في خلق عالم غريب ساحر ومخيف في آن واحد، أخذ فريتز لانغ المشاهد في رحلة أشبه بالتنويم المغناطيسي. تأخذه الأشكال الهندسية إلى المدينة الصناعية المصمّمة على نمط المتاهة أو الحلم حيث يتجسّد بوضوح الرعب الذي يكمن في المكان الذي يحاصر الإنسان. تضخم المباني وناطحات السحاب التي ترتفع عالياً بينما يتقلص الإنسان وتضمحل المساحة المخصصة له.
رؤية للمستقبل تجسد إلى حد ما الحاضر الذي نعيشه. ربيع بعيني المعروف أيضاً بـ Morphosis هو موسيقي و«دي جي» لبناني سافر إلى إيطاليا في عمر مبكر، واشتهر بميوله التجريبية ومزجه بين الموسيقى الإلكترونية والجاز الحرّ والتكنو. أصدر مؤلفات عدة من أشهرها «البداية» و«ماذا تعلمنا». في حديثنا معه، يقول ربيع إنّ الموسيقى الذي سيعزفها إلى جانب الإيطالي توماسو كابيلاتو ستكون مرتجلة في أغلبها ولو أنّ الرؤيا الموسيقية قد جرى تصوّرها والتحضير لها مسبقاً. ستواكب الموسيقى الفيلم وتطوره الدرامي لحظة بلحظة، كأنّ الشريط لما يزل قيد الكتابة كما يشرح لنا، مشيراً إلى أنّها ستكون مختلفة عن الموسيقى الأصلية للفيلم أو المقطوعات الأخرى التي ألفت له على مرّ السنين. وإذا كانت هذه الموسيقى أقرب في طريقة الإنشاء إلى موسيقى التكنو التي ألفها جيف ميلز للفيلم عام 2000، إلا أنها تختلف عنه بمواكبتها الدقيقة للتطور الدرامي وبالأنماط المختلفة التي سيعتمدها كالموسيقى الطليعية والإلكترونية التي يمزج فيها بين الأصوات و الألحان. ليست هذه تجربة ربيع بعيني الأولى في تأليف موسيقى الأفلام، فقد سبق أن ألّف مقطوعة لفيلم «مصاص الدماء» (1932) للمخرج كارل ثيودور دراير عزفها لدى عرض العمل ضمن «مهرجان ترانسيلفانيا». لكن الموسيقى التي ألفها لفيلم «متروبوليس» تختلف عن تجاربه السابقة، إذ سيعتمد آلات جديدة في التوزيع إلى جانب توماسو كابيلاتو، محاولاً تصوّر «متروبوليس» ضمن رؤية موسيقية أكثر معاصرة تحتفي بفريتز لانغ ورؤياه السينمائية للمستقبل الفريدة من نوعها.

20:30 مساء اليوم ــ «متروبوليس أمبير صوفيل» ــ للاستعلام: 01/204080




المشاهد الضائعة

تضمّ النسخة المرممة من فيلم «متروبوليس» الذي سنشاهده الليلة، مشاهد كانت قد حذفت من الفيلم الأصلي، وظلت ضائعة لحوالي 80 عاماً، إلى أن عثر على نسخة من الشريط الأصلي وتمت إضافة المشاهد الناقصة بعد ترميم العمل. يذكر أنّ الموسيقى الأصلية لفيلم «متروبوليس» كانت من تأليف غوتفريد هابرتز وعزفت لدى العرض الأول للعمل عام 1927.




أفلام الطلاب مرآة لقلق الجيل الجديد



أوّل ما يقال عن أفلام الطلاب اللبنانية القصيرة التي عرضت هذه السنة ضمن «مهرجان السينما الأوروبية» في «متروبوليس أمبير صوفيل» إنّها مقلقة إلى حد كبير. صور عنيفة، أشخاص مقيدون بسلاسل، سجناء عوالمهم الداخلية، أو علاقاتهم العائلية، مضطربة، كما في فيلم «شراشف» لباتريك تاس (جامعة الـ «ألبا»)، الذي يتناول موضوع سفاح القربى عبر علاقة بين أخ وأخته، أو فيلم «ثقب السرة» لفادي الخازن (الجامعة اللبنانية) الذي يصوّر بطريقة رمزية وعنيفة العلاقة المريضة بين أم وابنها. تؤدي رينيه ديك دور الأم المتملكة والمغرمة بابنها، الذي تقيده بسلسلة موصولة إلى جسدها كما حبل السرّة، رافضة إطلاقه. ولو أن الأفلام بمجملها طرحت مواضيع مختلفة وجريئة، كحادثة سقوط الطائرة الإثيوبية في بيروت عام 2010، ومعاناة أهالي المفقودين، أو فترة حكم الأتراك في لبنان، ونظرة المجتمع إلى موضوع السمنة لدى المرأة، ومحاكمته لها، وموضوع المثلية الجنسية وعصر الإنترنت والتكنولوجيا، إلا أنّها لم تخلُ بمعظمها من العنف المجاني أو في أحيان أخرى من العري الاستعراضي، الذي بدا كأنه اعتمد ليغطي تشوّش الرؤيا الإخراجية وعدم تجانس السيناريو المكتوب. وبالرغم من أن تقنيات التصوير المعتمدة كانت أقرب إلى الاحتراف في معظم الأحيان، بل إنّ بعض هذه الأفلام شهدت ظهوراً مميزاً لعدد من الممثلين اللبنانيين المعروفين، ككارول عبود في «لقوم» لفادي الجميل (الجامعة اللبنانية)، ورينيه ديك في «ثقب السرّة»، و كريستين الشويري في فيلم «حبي» لمارك كرم (جامعة الكسليك)، وأيضاً أسعد حداد في فيلم «ميمكس» لغاييل ساسين (جامعة نوتردام اللويزه)، إلا أن المشكلة الفعلية التي تعانيها هذه الأفلام هي عدم وضوح الحبكة الروائية. اللافت أيضاً أنّ عدداً كبيراً من هذه الأفلام يعبّر عن مشكلة التواصل التي تظهر في غياب الحوار، أو اعتماد المونولوج والحنين إلى حقبة غابرة تظهر عبر صور المسجلة القديمة وشرائط الكاسيت، التي تتكرر في أكثر من فيلم رغم اختلاف الموضوع. الأمر الذي قد يجسد أزمة الجيل الجديد، حيث يبدو التواصل مفقوداً رغم الكم الهائل من وسائل التواصل التي وفرتها التكنولوجيا الحديثة. كأنّ كمّ العنف الداخلي الذي يظهر لنا عبر هذه الأفلام نابع من انعدام التواصل الكلي مع الخارج. هناك رفض للحاضر المعيش، الذي يبدو مشوشاً وفارغاً وانسحاباً إلى الماضي بحثاً بين الأطلال والصور عن معنى ما. أكثر من ذلك، نكتشف عبر رؤيا هذا الجيل الجديد أنّ كلّ الحياة التي عرفناها ذات يوم أصبحت من الماضي: المسجل، الهاتف القديم، شريط الكاسيت وحتى الدفاتر والأوراق، كلها دخلت في متحف الذاكرة. يذكر أنّه ستمنح جائزتان للأفلام القصيرة الفائزة، ضمن الاحتفال الاختتامي للمهرجان الليلة في «متروبوليس».
بانة...