في الوقت الذي تعج فيه الصالات بالأفلام اللبنانية، غرّد «عصفوري» فؤاد عليوان (الصورة) بعيداً عنها بعدما قرر أصحاب دور السينما إبعاده بعد أيام من طرحه تجارياً، علماً أنّ الشريط حاز جائزة أفضل ممثلة ليارا أبو حيدر من «مهرجان وهران» ورُشِّح لخمس جوائز من «مهرجان لندن». قد تكون اللغة السينمائية الرفيعة وقضية بيروت وذاكرتها أشبه بلغة العصفوري بالنسبة إلى القائمين على الصالات التجارية. وربما لم يحقّق الفيلم ببساطة نسبة مشاهدة عالية، إلا أنهم ــ بحسب عليوان ــ لم ينتظروا أكثر من ثلاثة أيام منذ بداية العرض حتى أعلموه أنهم سيسحبون الفيلم. غير أن عليوان استكمل دورة العروض حصرياً في «بلانيت أبراج».


يكاد «عصفوري» يكون الفيلم الوحيد في أرشيف السينما اللبنانية الذي تناول بيروت قبل الحرب (بشكل موجز) وخلالها وبعدها. يقول عليوان إنّ العمل لا يتخذ موقفاً مناهضاً لإعادة الإعمار بشكل عام بل هو موقف مضاد لمشروع تغيير هوية بيروت من خلال استراتيجيات عدة بينها إعادة الإعمار التي اكتفت بالعمل على بنيان الحجر مقابل خلق الفساد الذي امتد على كل الأصعدة بدلاً من خلق الوعي اللازم لشعب خرج من حرب دامية. ويضيف أنّ بيروت اليوم هي أخطر من بيروت في مرحلتي الحرب والتسعينيات حيث «خسرنا القيم لأن بناء الوعي أصبح في أيدي تجار الشنطة والأعراس وتجار النجوم». كما أكّد على دَوْر السينما الأساسي في بناء الوعي حين أعطى مثلاً عن مغتربة اعتبرت أنّ الفيلم ترجم صورة بيروت لطالما كان والدها يخبرها عنها ولم تستطع الإمساك بها في وعيها إلا عندما شاهدت العمل. وتعقيباً على ذلك، يقول عليوان «فيلمي يسهم في بناء الوعي لكنّ الفنان وحده لا يمكنه بناء وعي للشعب ولن ألوم صالات السينما على إبعاد الفيلم لأننا لا نتوقع منهم أن يلعبوا دور وزارة الثقافة في نشر الوعي».
لكنّ عليوان يحتفظ بأمل كبير حين يذكر حادثة حصلت معه أخيراً حين نزل من المبنى نفسه الذي يدور حوله الفيلم، ففوجئ بمجموعة من الشباب والشابات جاؤوا خصيصاً لرؤية المبنى بعدما شاهدوا الفيلم كي يتأكدوا أنّ المبنى لم يهدم. ويختم قائلاً «حتى ولو هدمه السماسرة لاحقاً وبنوا مكانه برجاً عالياً، إلا أنّه سيظل محفوظاً كقضية في الفيلم ولذلك لن يستطيعوا انتزاعه مني».
قد يكون الإقصاء الذي تعرّض له «عصفوري» أو غيره من الأفلام الهادفة يعكس جزءاً بسيطاً مما يطرحه الشريط نفسه من مشروع لتغيير الهوية. يتم ذلك من خلال صناعة وعي مسطحة تتألف من صور مستوردة فارغة من المضمون أو أبراج حديثة تصب فوق أنقاض بيوتنا التراثية. لكن إلى أي متى ستظل صناعة الوعي وحفظ الهوية والذاكرة هموماً فردية لفنانين لا يقف الى جانبهم إلا شركات إنتاج قليلة؟

«عصفوري»: «بلانيت أبراج» ـ للاستعلام: 01/292192