تعود نضال الأشقر إلى الخشبة كما يعود لاعب معتزل إلى الملاعب، لكن العودة بعد 22 عاماً على آخر عرض أدت بطولته تبدو تحدياً كبيراً يتجاوز فكرة الاعتزال إلى لحظة استثنائية يمتزج فيها توق الممثلة إلى التمثيل بإعادة اختبار مهاراتها الأدائية والجسدية والتعبيرية. كأن تلك المهارات التي استُخدمت في سلسلة من العروض التي صنعت اسمها تُستدعى مجدداً إلى العمل. المهارات التي وجدت حياةً أخرى منذ أن افتتحت الممثلة المخضرمة «مسرح المدينة» منتصف تسعينيات القرن الماضي، وباتت مكلفة بإدارة فضاء مسرحي، وجعله منصة تسهم في إعادة الثقافة إلى مجراها في مدينة خارجة من حرب أهلية طويلة.


لا نزال نتذكر الدور الذي أداه «مسرح المدينة» إلى جانب «مسرح بيروت»، في ملء أيام المدينة بيوميات الثقافة ومواعيدها. ظلت نضال الأشقر قريبة من شغفها بالمسرح. تبنّت عروضاً محلية، واستقبلت عروضاً عربية. كان مسرحها الخاص مشروعاً لطرح رؤية ثقافية تُعيد إلينا بصورة بيروت وعصرها الذهبي الذي أسهمت، هي وأقرانها، في صياغة جزء كبير منه. هكذا، أخرجت أربع مسرحيات هي «طقوس الإشارات والتحولات» (1996) و«منمنات تاريخية» (2000) عن نصين لسعد الله ونوس، و«3 نسوان طوال» (1999) عن نص ادوارد ألبي، و«قدام باب السفارة كان الليل طويل» مع عيسى مخلوف. كانت الممثلة المخضرمة تذكّرنا بمسيرة خصبة بدأت بوقوفها أول مرة على الخشبة في مسرحية «السرير الرباعي الأعمدة» (1963) باكورة شكيب خوري الإخراجية، ثم ظهورها المميز في أعمال عديدة مثل: «رومولوس الكبير» مع ريمون جبارة، و«هاملت» مع منير أبو دبس، و«كارت بلانش» مع روجيه عساف الذي أسست معه «محترف بيروت للمسرح» سنة 1968. المحترف الذي ارتبط اسمه بمسرحية «مجدلون» (1969) التي أوقفتها الرقابة، وأخرجت الممثلين من على الخشبة، لكنهم أكملوا العرض في الشارع. كان ذلك إشارة مبكرة إلى علاقة الفن بالنضال الثقافي والسياسي، وهو ما تعزّز في سنوات الحرب الأهلية، وسنوات السلم المهدد بالحرب والانقسامات. ولعل ارتباط عودة نضال الأشقر في مسرحية بريشيتة عن تأثيرات الحرب على المجتمعات، دلالة قوية على رفض ما يحدث اليوم في لبنان والعالم العربي. الممثلة التي تخرجت في الأكاديمية الملكية للفنون الدرامية في لندن، وشاركت في تأسيس المسرح اللبناني (والعربي) الحديث كممثلة ومخرجة وناشطة مسرحية، وحصلت على أوسمة وجوائز عديدة، لم يكن المسرح بالنسبة إليها ممارسة فنية صافية. نضال الأشقر هي ابنة المدينة بمعناها الفلسفي والثقافي. المدينة التي ينبغي أن نبعدها عن الحرب والعنف. المدينة التي تحتاج إلى شجاعة «الأم شَجاعة»، وهي الترجمة العربية الشائعة للعرض الذي تدعونا إليه مساء اليوم.


يمكنكم متابعة حسين بن حمزة عبر تويتر | @hbinhamza