تونس | لم يكن الرئيس التونسي المؤقت محمد المنصف المرزوقي والمستشارون المحيطون به، يتوقعون أن يستقبل التونسيون من غير أنصار حزبه «المؤتمر من أجل الجمهورية» «الكتاب الأسود» بكثير من الامتعاض والاستهجان. الكتاب الذي أصدرته رئاسة الجمهورية أخيراً، يكشف قوائم صحافيين ومثقفين وجّهت إليهم اتهامات بالتورّط مع نظام زين العابدين بن علي. أما المنظمات المهنية، مثل «النقابة الوطنية للصحافيين»، فقد دانت هذا الإصدار، مشيرة إلى أنّه «تصفية حساب شخصي للرئيس مع الإعلاميين».


الشعار الذي رفعته رئاسة الجمهورية مع إصدار الكتاب هو «كشف منظومة الفساد في قطاع الإعلام، وفضح المتورّطين من الصحافيين، والأجانب، والمؤسسات الإعلامية في الدعاية للنظام السابق». لا شك في أنّ الرئيس المؤقت كان يعتقد أنّ الجميع سيصفق لهذا الإنجاز، باستثناء أنصار «الثورة المضادة»، لكن ما حصل أنّ «وزارة حقوق الإنسان والعدالة الانتقالية» رأت على لسان الوزير القيادي في حركة «النهضة» سمير ديلو أنّ ما قامت به الرئاسة هو «فعل شعبوي وتعدٍّ على صلاحياتها». ورأى ديلو أنّه « لا يحق للرئيس أن يتصرّف بالأرشيف المتعلّق بالصحافيين الذي عثر عليه في رئاسة الجمهورية، لأنّه ملك الشعب، لا لحزب أو لشخص». زياد الهاني، رئيس «المنظمة التونسية لحماية الإعلاميين»، قال إنّ ما قام به المرزوقي «عمل دنيء، وغير مسبوق، ودليل على حقده على الصحافيين، ومحاولاته اليائسة لتركيع السلطة الرابعة مجدداً». وأضاف الهاني لـ «الأخبار» إن المنظمة ستقاضي المرزوقي بتهمة «تشويه صورة الصحافيين».
الرفض والإدانة اللذان قوبل بهما الكتاب الذي أنفق على طبعه من المال العام، لا يتعلقان بمبدأ كشف الحقيقة، بل بصدوره خارج مسار العدالة الانتقالية، ومن دون استشارة الهياكل المهنية، فضلاً عن سحب عدد من الأسماء التي تسوّق لنظام الترويكا الحاكمة، التي سبق أن سوّقت لبن علي، بعدما قبضت الثمن مالاً وامتيازات. ما زاد في التشكيك في صدقية الكتاب، هو انفراد فضائية «المتوسط» القريبة من الترويكا الحاكمة، في تقديم الكتاب خلال برنامج «نقطة نظام»، الذي يقدمه رئيس تحريرها صالح عطية. الأخير كان من أكثر الصحافيين ولاءً لبن علي، وتطبيلاً لزوجته ليلى الطرابلسي. ويتضمّن «الكتاب الأسود» معطيات عن منظومة الدعاية في نظام بن علي، وأسماء حوالى ٥٠٠ صحافي كانوا يتقاضون أموالاً مقابل خدمات يؤدونها للنظام. خدمات تتنوع بين كتابة التقارير، وتقديم معطيات حول المثقفين، وكتابة مقالات مخصصة لشتم المعارضة. ويبدو أنّ بعض الأسماء حشرت بهدف تشويهها فقط، لأنّ عدداً ممن ذكروا لم تتجاوز «جريمتهم» الدفاع عن إنجازات النظام السابق، من دون التورط في تشويه صورة المعارضين أو المنفعة المادية. ويأتي تضخيم عدد الإعلاميين المذكورين في الكتاب في سياق إرباك المشهد الإعلامي، الذي يَعدّه الرئيس المؤقت «وكراً» لـ «الثورة المضادة»، كما خُصّصت صفحات لمدح المرزوقي باعتباره «المعارض الوحيد لبن علي». ارتدادات هذا الكتاب ما زالت متواصلة، ويبدو أنّه سيكون الأكثر إثارة للملاحقات القضائية في تاريخ تونس.