■ فيلمك «على حلّة عيني» يعالج الثورة، لكن من خلال زاوية خاصة ضمن إطار حميمي يتجنب تصويرها فعلياً. تدور أحداثه في الأشهر التي سبقتها، من خلال قصة فرح التي ترغب في الغناء وتخوض ثوراتها الصغيرة والخيبات التي تليها.
- يعود الفيلم إلى الفترة التي سبقتها، إلى حكم الدولة البوليسية، ومناخ الخوف والبارانويا. في نهاية الفيلم، سنتوقّع أن فرح وأمها على الأرجح ستشاركان في الثورة التونسية حين تندلع. إنه لا يفسر كل شيء لأن الثورة انطلقت من العمال الذين يبدو ظهورهم محدوداً في الفيلم. أردت أن نفهم من أين أتت الثورة التونسية التي بدت كأنها مفاجأة ضخمة. لذا أردت أن نعود إلى ما قبلها. بالنسبة إليّ، يصوّر الفيلم قصة فتاة تريد أن تصنع الموسيقى وتعيش بحرية، ومضطرة أثناء ذلك إلى الاستيقاظ على وعي سياسي لا تملكه في البداية، عن طاقة الشباب العربي، وعملية تحطيم تلك الطاقة، التي تمرّ عبر العائلة والمجتمع، ونظام الحكم. أظن أنّ من المهم العودة إلى تلك الحقبة، لأنّنا من البداية التفتنا إلى المستقبل وتعاملنا مع هذه الثورات كأنّها ضربات من عصي سحرية، كأن أرانب خرجت من القبعة اسمها الديموقراطية. طبعاً، من الجيد أنها حدثت وبات لدينا القليل من حرية التعبير، لكن ما هو ضروري للمستقبل أن نخوض في عملية تقويم للماضي ولأنفسنا، لكي نتأكد أننا لا نجد أنفسنا في المكان نفسه مرة أخرى.

■ كيف ترين الوضع في تونس اليوم؟
- في تونس، هنالك ديموقراطية لما تزل قيد البناء. أحياناً، تحدث أمور رائعة تجعلنا متفائلين، وأخرى تجعلنا متشائمين. هي عملية معقدة تهددها العديد من العناصر. حصلنا على بعض من حرية التعبير. هنالك مجتمع مدني مثير للإعجاب، وصحوة نلمسها في بعض وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي. لكن هنالك أيضاً قوانين قديمة تقمع الحريات، مثل القانون ٥٢ الذي يعاقب بالسجن لمدة سنة كل شاب دخن الحشيش. في الحقيقة، هو يتيح القبض على الشاب من دون أن يكون متلبساً، وإخضاعه لاختبار بول. هناك ٧٠٠٠ ألف شاب في السجن في تونس اليوم بسبب ذلك. هذا القانون يستعمل لسجن كل الشباب الذين يضايقون النظام.

■ الأسلوب نفسه الذي تستخدمه الشرطة لإخضاع فرح في الفيلم، هل ما زال هذا القانون يطبق بالطريقة عينها؟
- هذا القانون التي أُقرّ عام ١٩٩٢ في فترة بن علي ما زال جارياً، ويستعمل للغايات نفسها بهدف إخضاع كل شخص يزعج رجال الشرطة. لكن هنالك الكثير من الجدل حول هذا القانون في الساحة العامة اليوم، وهذا أمر كان مستحيلاً من قبل. وهناك أيضاً القوانين ضد المثليين الجنسيين، لكن هنالك قوانين جديدة صُوِّت عليها، تفرض وجود محامٍ مع المتهم منذ لحظة اعتقاله، وهذا إنجاز هائل بالنسبة إلى تونس.

■ فيلمك هو في العمق نسوي، دون تبني ذلك كشعار أو هوية له. فرح امرأة حرة، وهي المبادرة إلى استكشاف العالم والآخر، وليست أبداً في دور المتلقية أو الخاضعة. إلى أي درجة فرح تمثل جيلها من النساء التونسيات اليوم وصراعاتهن أو الطبقة المتوسطة التي تنتمي إليها؟ وهل هي أقلية أم أكثرية؟
- بالنسبة إليّ، هي تمثل جزئياً الشباب التونسي الذي يعيش في المدينة الآتي من الطبقة المتوسطة. هي لا تمثل شباب الداخل، لكن أظن أنها تمثل الحالة الروحية للشباب. هنالك من سيقول: هي لا تمثل الشباب التونسي. هذا معقَّد، لكنها تمثل الطبقة المتوسطة العليا التي تنتمي إليها. وفي تونس هنالك طبقة متوسطة مهمة. كذلك، ليس مطلوباً أن تمثل كل الشباب التونسي، كي نتماهى معها. صحيح أن عندنا هذه المشكلة في العالم العربي، ما إن نضع شخصية في الفيلم، نقول إنّها لا تمثل كل البلد. بالطبع، هي لا تمثل كل البلد. هذه ذهنية ديكتاتورية، حيث على شخصية واحدة أن تمثل الجميع. هي تمثل نفسها، فرح شخص تسكنه رغبة جامحة في العيش حتى السذاجة أحياناً.

■ نرى أيضاً في الفيلم الهوّة بين الأوساط المختلفة، بين الحانات الليلية الشعبية الخاصة بالرجل الذي ينظر إلى المرأة حين تدخلها كأنها كائن فضائي، أو حانات الشباب المختلطة، أو التنازع بين التقليدي والأكثر انفتاحاً الذي نلمسه في الشخصيات كما برهان حبيب فرح؟
- هنالك في تونس بعض الحانات الشعبية التي يصعب على المرأة دخولها. هي أمكنة ذكورية بحت. من الناحية الأخرى، هناك حانات في وسط المدينة حيث المرأة مرحب بها أكثر، لكنها ليست كثيرة، والحانات في الضواحي الراقية مختلطة، لكنها شديدة الغلاء. بالنسبة إلى برهان، هو ضحية نفسه، فهو يحبها، لكنه يقول للآخرين إنّ اهتمامه بها جنسي فقط، لأنّهم يرون أنها حرة، وتفعل ما تريد، وذلك يمسّ كبرياءه. لذا، يلجأ إلى هذا الخطاب الذكوري التقليدي الذي يندم عليه لاحقاً. هو متنازع، فكل شخصيات الفيلم تعاني من تناقضاتها الداخلية باستثناء فرح. هي أبسط وأنقى. أما الآخرون، فهم أشد تعقيداً وقد شوههم النظام بطريقة أو بأخرى وتآلفوا معه، مثل أم فرح (المغنية غالية بن علي) أو برهان (الممثل منتصر عياري). أما فرح، فشخصيتها مبسطة أكثر، لكنها العنصر الذي يكشف تناقضات الآخرين لأنّ وحدتها لم تُمَسّ.
■ هناك مشهد لافت في الفيلم قد يُعَدّ تابو في السينما العربية، أو ربما في السينما العالمية. في أثناء تصوير العلاقة الجنسية بين برهان وفرح، وهي تجربتها الأولى، تتجنّبين بخلاف المعتاد التركيز على جسد المرأة، أي فرح، هنا. بل نرى في إحدى اللقطات، ولو بشكل خاطف، برهان عارياً وفرح تتفحصه بداعي الفضول، كما تقول، فهي لم ترَ رجلاً عارياً من قبل.

الشريط الصوتي للفيلم حمل توقيع خيّام اللامي وسيصدر قريباً في ألبوم

- في الحقيقة النسخة التي رأيتها مقتطعة، حيث هنالك ثانية إضافية محذوفة من النسخة المخصصة للبلاد العربية. نرى عري برهان بوضوح أكثر، ولو بشكل سريع، وفعلنا ذلك، استباقاً لردّ فعل الرقابة كي لا تقتطع كيفما شاءت. لم أرد إظهار جسد المرأة في أثناء العلاقة الجنسية كما جرت عليه العادة في السينما العربية، ولا نرى أبداً جسد الرجل. أردت أن أصوّر برهان كما تراه فرح التي تستكشف جسد الرجل للمرة الأولى، وأيضاً قلب الكليشيهات. ففي مشاهد مماثلة، نركز دوماً على مسائل كالعذرية، وهذا ليس صريحاً حتى. فما هي مسألة العذرية التي يعطونها كل هذا الحيّز الضخم ولا تدوم أكثر من دقيقتين؟ أيضاً أردت تصوير الرجل وجسده كموضوع للرغبة. لمَ نرى دائماً جسد المرأة من هذا المنظار، وليس الرجل أيضاً؟

■ هل تجدين أنه أصعب على المرأة في المجتمعات الشرقية أن تجد استقلاليتها أو تفرض هويتها الخاصة، بخاصة أنك ابنة المخرج التونسي المعروف النوري بو زيد، والربط بينكما يحصل حكماً في ظل المجتمع البطريركي المسيطر؟
- أنا كنت دائماً واعية لهذه الصعوبة وهذا الربط. لذلك، اخترت طريقي بمفردي. غادرت تونس بعد البكالوريا، وذهبت إلى فرنسا حيث درست الإخراج. كان ذلك أكثر سهولة، لأنّ أبي ليس معروفاً هناك مثلما هو في تونس. صحيح أنه في تونس أو حتى لبنان، في أثناء المقابلات التي أجريتها، يطرحون عليّ دوماً سؤالاً عن أبي رغم أن الأغلبية لا تعرف ربما أعماله جيداً. كأنما يصعب على الناس تصوّر أن لا علاقة لأبي بالفيلم، وأنه يحمل نظرتي الخاصة. أظن أن النساء ربما كنّ يواجهن صعوبات أكثر، لكن ذلك يجعلهن أكثر صلابة.

■ الموسيقى تشكّل إحدى ثيمات الفيلم ونبضه، وأحد العناصر المهمة في جماليته السينمائية، وهي من تأليف عازف العود والموسيقي العراقي خيّام اللامي. أيضاً، تتآلف هذه الموسيقى في المونتاج مع حركة أجساد الممثلين، كما حين نرى فرح تركض خائفة في الشارع، معبرة عن جو الخوف والبارانويا. كيف جرى التعاون بينك وبين خيّام؟
- في أثناء كتابة السيناريو، تخيلت فرقة روك تونسية، فيها العود مع بعض العناصر الإلكترونية، وموسيقاها مستوحاة من الفولكلور التونسي. وفي أثناء إعداد الفيلم، قابلت العديد من الموسيقيين، ولم أجد ما أبحث عنه. ذات يوم، ذهبت إلى حفلة موسيقية لخيّام اللامي في باريس مع فرقة «الألف» وتعرّفت إليه. اتفقنا على الرؤية المشتركة نفسها، وهو فهم أنّ المهم هو التعبير عن طاقة هؤلاء الشباب، بخاصة أنه عاش في تونس بضعة أعوام. أحسّ مثلي بهذه الطاقة الكبيرة التي لا تجد متنفساً لها. عملنا معاً على كل التفاصيل، من الكاستينغ إلى اختيار الموسيقيين، وكتبَ الموسيقى لصوت بية المظفر (تؤدي شخصية فرح) التي ليست مغنية محترفة. أسسنا الفرقة الموسيقية التي تظهر في الفيلم، وألّف اللامي موسيقى الأغاني المكتوبة، وأشرف على التمارين، وكان حاضراً في أثناء تصوير مشاهد عزف الفرقة، وتوليف الموسيقي في ما بعد. باختصار، كان شريكاً رائعاً، وأنا مغرمة بموسيقاه، والشريط الصوتي للفيلم سيصدر قريباً في ألبوم.

■ كيف اخترت الممثلة بية مظفر بطلة الفيلم، وكيف عملت مع الممثلين على أسلوب التمثيل الذي يتسم بعفويته التي تشابه الارتجال في بعض المقاطع؟
بية مظفر تمثل وتغني للمرة الأولى في الفيلم. كان الكاستينغ صعباً جداً. كنت أعرف أن الممثلة التي ستؤدي دور فرح هي جسد الفيلم، واختيار بية كان مجازفة كبيرة، فهي لم تمثل من قبل، لكنها كانت شديدة الحماسة، ومؤمنة بالسيناريو والشخصية. حاربت كثيراً لتحصل على الدور. في الحقيقة، الفيلم مكتوب كله مسبقاً، وهو خيالي لكن واقعي في آن واحد. لكن في أثناء التحضير، قمت بالكثير من الارتجال مع الممثلين، ثم أعدت كتابة الحوار وفق ما ارتجلوه أو أضافوه إلى الشخصية. وفي أثناء التصوير، تركنا لهم مساحة تأدية المشاهد من أولها إلى آخرها دونما تقطيع. لذا، كان لديهم الإحساس بأنهم يعيشون الشخصية أكثر من تأديتها.

■ في البداية، جمالية اللغة السينمائية تعتمد أساساً على الخارج والضوء والألوان الحيوية، ثم مع سقوط حلم فرح، يغرق الشريط تدريجاً في الداخل والعتمة، وتبهت الألوان.
- القصة هي عن آلية تدمير الطاقة. في البداية، إيقاع الفيلم حيوي، والمونتاج سريع، الأحداث تجري في الليل. لكن الألوان حاضرة وعميقة، والشخصيات سعيدة، وفرح حرة، وشعرها مُسدَل طوال الوقت. تدريجاً، تصبح الألوان أكثر واقعية. وصوب نهاية الفيلم، تفقد الألوان، رغم أن أغلبها مصوَّر في النهار، والكاميرا تصبح ثابتة، واللقطات أطول. يتطور الفيلم من أسلوب إلى آخر، وهذا ما أردته من البداية، حتى في ثيابها وعبر لغة جسدها، فرح تتحول. وهذا الانزلاق التدريجي من أسلوب إلى آخر، قد يشبه إلى حد ما فيلم head on للمخرج الألماني التركي فاتح آكين. تأثرت بشريط أكين في أثناء تخيلي هذا الفيلم، إلى جانب تأثري بالمخرج الإيراني أصغر فرهادي الذي ينطلق من قصة حميمية، ليشرح من خلال تفاصيلها كل المجتمع الإيراني.

■ أسلوب التصوير أيضاً يتفاوت في حميميته وفي المسافة التي تأخذها الكاميرا من الشخصيات، حيث تقترب فجأة لتصور تفاصيل صغيرة مقتطعة كيد برهان التي تداعب خصر فرح في أحد المشاهد ثم تعود إلى اللقطة الواسعة.
كان يعنيني كثيراً تصوير هذه اللقطات، فهذه التفاصيل الخفية مهمة جداً لالتقاط أحاسيس فرح وارتعاشتها الأولى. أحياناً، تكون اللمسات الصغيرة الأشد تأثيراً.

«على حلة عيني» لليلى بوزيد: «متروبوليس أمبير صوفيل» (الأشرفية ـ بيورت) ــ للاستعلام: 01/204080