من يتابع مسيرة الفنان السوري تمّام عزّام (1980)، يظن بأن هذا الشاب لا يعرف معنى «أوقات الفراغ». معارض متلاحقة، غزارة في الإنتاج، لوحات وتصميم أغلفة، وحضور جيد على مواقع التواصل. أما الترف الذي نسمّيه وقتاً مستقطَعاً، فهو يعني عند تمام دوامة أفكار أخرى في مخيّلته استعداداً لعمل جديد لا يشبه سابقه. ليس ثمة ما هو مشترك في الأعمال سوى تقنية «الديجيتال آرت» التي انتقل إليها الفنان بشكل كلي تقريباً... والألم. بعد ثلاث سنوات من الانتفاضة السورية، وسنتين ونصف من «تغريبة» تمّام إلى دبي، تعود أعماله لتصل إلى أقرب نقطة من حدود الحرب. إلى بيروت هذه المرة، ومعرضه «أنا السوريّ». ليس ثمة ما يفصله الآن عن «الوطن»، والانتفاضة التي أصبحت حرباً، والشوارع/ القبور، سوى مرآة فحسب. مرآة شفيفة تربط مخيّلته، وما تبقى من ذكرياته السورية مع آلام الحاضر ودماره، ومع متابعيه الدائمين من السوريّين داخل البلاد وخارجها، على الفايسبوك وفي صالات المعارض.


في المعرض الذي تستضيفه «غاليري أيام»، سيجد المتابع أعمالاً قديمة، وأخرى جديدة، وأخرى قديمة ــ مستعادة بتعديلات، كعمله المعروف الذي أطلق شهرته العالمية «غرافيتي الحريّة»، الذي استند فيه إلى لوحة «القبلة» للنمساوي غوستاف كليمت، لاصقاً إياها على ما تبقّى من بناء دمّرته الحرب. يشير بيان «غاليري أيام» إلى أن استخدام الفنان لهذه التقنية، وهذه اللوحة بالذات، كان تعبيراً عن «قوة وسيطرة الحب على العنف». لكن قد يكون للمتلقّي رأي آخر، لا سيما إذا تابع جولته في لوحات «المتحف السوري» حيث جمع تمّام لوحاته التي استند فيها على التقنيّة ذاتها؛ أي، استعادة روائع مرجعية في تاريخ الفن العالمي ومنحها «نكهة» الحرب السورية. في لوحة أخرى مستندة إلى «موناليزا» دافنشي، نجد أنّ المرأة الغامضة قد تنحّت إلى زاوية اللوحة لتكشف عن خلفية أخرى للمشهد، مشهد الحرب. الحرب والدمار هما المختلفان في اللوحة، فيما الابتسامة الغامضة تبدو أكثر حزناً. ودور الشاهد هو ما تشترك فيه لوحات «المتحف السوري». ليس هدف اللوحات إظهار سيطرة طرف على آخر أو تقابلهما، بل إظهار التضاد بين اللوحات التي نعرفها (بقيت من دون تعديل) وبين خلفية المشهد التي تكاد تبتلع اللوحات الأساسية التي تكتفي بدور الشاهد المحايد. ثنائية الحب/ العنف تبدو ضعيفة إذا قورنت بوحدانيّة العنف والتهامه كلّ ما عداه، ولعل هذا ما تحاول اللوحات أن تقوله لنا.
ويمكن لهذا الرأي أن تدعمه اللوحات «السورية» لتمّام عزّام. نجد أن «الشاهد الأجنبي» قد اختفى من اللوحات وبقي الدمار والدم. ولا نجد حضوراً لهذا الشاهد سوى في عمل قديم لتمّام (ليس موجوداً في هذا المعرض) حيث يكون الفنان ذاته هو الشاهد في اللوحة التي تضجّ بالدمار والقصف. والشاهد، مرة أخرى، صامت ومحايد. ولو تابعنا تأمّل اللوحات الأخرى التي يضمّها المعرض، سنجد اللوحات «مسحوبة اللون»، لو جاز التعبير. في اللوحة الشهيرة «الأولمبياد السوري» (وكذلك في «خروج»)، تبدو شخوص العمل نسخ «فوتوكوبي» عن بعضها: دائرة هي الرأس ملتصقة بأعمدة الجسد متفاوتة الطول، مثل رموز شاخصات الطرق. الشخوص هنا، كذلك، ثابتة؛ بينما المتغيّر هو طريقة القتل في لوحة «الأولمبياد»، أو طريقة الهروب في «خروج». وتبقى الأسلحة سيدة المشهد في خلفية اللوحات. أسلوب سحب اللون يستمر في لوحات مجموعة «رحلة ميمونة»، حيث يتم «مسخ» الحواضر السياسيّة في العالم (مبنى الأمم المتحدة، وقصر وستمنستر...) لتبدو هشّة، عديمة اللون أو السلطة مقابل طغيان عناصر الطبيعة كنهر التايمز، أو ببساطة، النسيم الذي يحمل البالونات الملونة. الأمل هو في هذا البالون وهذه الألوان، بصرف النظر عما إذا كان حامل البالونات حياً أو ميتاً. الحياة مستمرة، هكذا تقول البالونات، بينما مشهد الصمت المخزي، والدمار الممنهج سيزول إلى درجة التلاشي التام.
صراخ الألوان ينتقل إلى السلسلة الجديدة في أعمال عزّام، وهي صناديق ضوئيّة بشكل رايات تجمع بينها مفردة «متّحدة»، ونوع خط الكتابة، بينما يتنوّع «المتّهمون»: الأمم المتحدة، روسيا المتحدة، والولايات المتحدة، بتتابع على ألوان الأسود والأحمر والأخضر بهدف «ابتكار علم يشير إلى سوريا الحرة» بحسب البيان المرافق للمعرض.
في هذا المعرض، يتابع الفنان رحلة إبهار المتلقّي بأعمال متجددة بسيطة وعميقة في آن معاً. الإدهاش هو العنصر الذي يميّز أعمال عزّام، رغم أنّ متابعيه على مواقع التواصل الاجتماعي قد يظنون بأنه قال كل ما يريد وأفرغ جعبته، لكنه هنا يتابع مفاجأتنا بأعمال جديدة. بيروت هي المدينة التي تجمع الفنان بمحبيه. عن هذا المعرض، يقول: «معرض بيروت هو الأقرب جغرافياً وفعلياً لسوريا، وهذا ما يمنحه بعداً عاطفياً، فضلاً عن وجود السوريين هنا». ثم يختلس نظرة إلى الحدود القريبة، محاولاً تجاهل ما تراه عيناه من دمار، مكتفياً بابتسامة غامضة تنسف المسافة.

«أنا السوري» لتمام عزام: حتى 30 كانون الثاني (يناير) ــ «غاليري أيام» (وسط بيروت) ـ للاستعلام: 01/374450




في مدينة الضباب

في موازاة معرضه البيروتي، يُفتتح اليوم في «غاليري أيام» في لندن المعرض الفردي الأول لتمام عزام في مدينة الضباب ويستمر حتى 30 كانون الثاني (يناير) المقبل. كما يشارك الفنان السوري في «بينالي فنون التصوير» (فوتو فيست) في هيوستن في ولاية تكساس الأميركية في آذار (مارس) المقبل. وأخيراً يشارك في ورشات عمل ستقام في نيويورك وبرلين.