كما في أفلامه القصيرة ومعارضه السابقة، لا يُريحنا محمود حجيج (1975) في معرضه الجديد Relatively Speaking الذي تحتضنه «غاليري أجيال». علينا أولاً أن نزيح مفردة «معرض» وما تثيره من انطباعات جاهزة ومسبقة الصنع في أذهاننا، وأن نستعدّ للدخول في متاهة من الخرائط والأرقام والترميزات.


إنها متاهة الفنان نفسه، وعلينا أن نقتفي أثره، وأن نكون محكومين بالعودة إلى البداية أحياناً. تطابق البدايات والنهايات جزء من إشكالية أكبر مصنوعة من الأفكار اليومية التي تتراكم وتتحول إلى علامات فارقة من دون أن ننتبه إليها. أغلب الأفكار المدسوسة في الأعمال المعروضة هي أفكار ذات مذاق سياسي ومجتمعي. هناك رسائل وإيحاءات في المعرض المؤلف من أربع أطروحات تتألف كل واحدة منها من سلسلة أجزاء متماثلة في الشكل والمساحة. في الأطروحة الأولى، يتتبع حجيج مناطق المصالح الأميركية كما توضحها خرائط موضوعة من البنتاغون، ويدعونا إلى ملاحظة التعديلات التي فرضتها التغيرات الحاصلة في حركة السياسة والتحالفات. في الخريطة الأولى، تتركز المصالح في الخليج العربي وإيران سنة 1996. في الثانية، تضاف السودان وكازاخستان سنة 2002. في الثالثة، يُضاف لبنان وسوريا سنة 2005، وفي الرابعة، تُضاف تونس ومصر واليمن وسوريا مجدداً. الإضافات تتحدد بثنائية التشغيل On – Off التي تترجم تراجع حركة المصالح أو تصاعدها بحسب منافع السياسة الأميركية، حيث يمكننا ربط هذه الحركة بأحداث جيوبوليتكية واضحة لها علاقة بالنفط والغاز في الخريطة الأولى والثانية، وترتبط باغتيال الرئيس رفيق الحريري في الثالثة، قبل أن ينطفئ الزر المخصص للسودان بعد تقسيمه، وانتقال الاهتمام إلى بلدان الربيع العربي، بينما نلاحظ أن الزر الخاص بإسرائيل موجود دوماً في حالة On.
الخرائط هي مادة الأطروحة الثانية أيضاً، لكنها مرسومة بالألوان المائية، ويقترح الفنان في واحدة منها كيف يمكن أن يُرى العالم بعد حذف الوطن العربي، وفي واحدة أخرى يسخر من إحساسنا بأن لبنان هو مركز العالم. لبنان على أي حال حاضر في أطروحة ثالثة مبتكرة من عدادات الكهرباء بعد استبدال أرقام استهلاك التيار بأرقام مفقودي الحرب اللبنانية في العداد الأول، وأرقام تخصيب اليورانيوم الإيراني في العداد الثاني، ثم أرقام القتلى السوريين في الحرب الدائرة فيها حالياً، وأرقام مساحة إسرائيل منذ قرار تقسيم فلسطين عام 1949، وعدد العمليات العسكرية الأميركية منذ عام 1945 حتى اليوم، وأخيراً أرقام إنتاج النفط السعودي. في الأطروحة الأخيرة يحضر لبنان بكثافة من خلال أربع لوحات بيضاء حُفر في منتصف كل واحدة منها رمزٌ يختزل جانباً من حياتنا ومصائرنا: «الهوية الشخصية» التي تتحكم في وجودنا الفردي، «طلقة الرصاص» في حروبنا المتكررة، «فيزا» لاحتمالات الهجرة، ثم «ورقة المئة دولار» التي لا تحتاج إلى شرح إضافي. إلى جانب هذه الأشكال المحلية، لوحة خامسة حُفر فيها ذلك الـ «تيوب» الصغير الذي أخرج وزير الخارجية الأميركي كولن باول محتوياته على شاشة الكومبيوتر، مدّعياً أنها صور لأسلحة الدمار الشامل التي يمتلكها صدام حسين.
«لقد تدرّبتُ على النظر إلى الأرقام وإظهار الاحترام لها»، يقول حجيج في تقديمه للمعرض. بالنسبة إليه، الإحصاءات والخطوط البيانية هي براهين على تحقق الأرقام، ومجرد ذكر رقم ما يعني أن الجدال قد انتهى، وأن لا أحد يجرؤ بالتالي على المجادلة في مصير هذا الرقم. لعل توصيف «النسبية» الموجود في عنوان المعرض محاولة من الفنان لتهديد النفوذ الذي تتمتع به الأرقام التي تعرضها الأعمال (لا اللوحات) المعروضة فيه. هناك كثافة تنظيرية ومفهومية في المعرض، لكنها مقدّمة بطريقة تجعل ذلك مصحوباً بأناقة وجمالية واضحة. قوة المعرض موجودة في إظهار الأحداث المفصلية والمنعطفات التي تعوم عليها الأرقام والخرائط والترميزات التي تتصف بحجومها وأشكالها الصغيرة. الفنان الذي أنجز أفلاماً قصيرة عصية على التصنيف، وقدم مشروعات إشكالية يختلط فيها السياسي بالثقافي، لا يُخفي هنا دعوته إلى خلق تساؤلات جديدة حول السيناريوهات التي يجري تركيب العالم من خلالها من دون النظر إلى مصائر الشعوب. كأن القطع والأشكال والأرقام مفاتيح صغيرة للولوج إلى التأويلات الكبرى المحجوبة خلفها. المعرض أشبه برحلة متعددة الطبقات في تأثيرات الميديا ووسائل الاتصال و«مؤامرات» السياسة ومصالح الدول العظمى. رحلة يخرج منها المتلقي بشعور أنه بيدق صغير مسحوق ومنسي، وأنه رقم متكرر وسط أرقام القتلى وبراميل النفط ومساحات الخرائط المرسومة في المطبخ السري لمصالح أميركا التي تُبقي يدها دوماً على الزرّ الإسرائيلي.




Relatively Speaking: حتى 30 ك1 (ديسمبر) الحالي ـ «غاليري أجيال» (الحمرا ـ بيروت) ـ للاستعلام: 01/345213



يمكنكم متابعة حسين بن حمزة عبر تويتر | @hbinhamza