يجول بنا مازن السيّد (الراس) في طرابلس التي في خاطره متحملاً أوزار المغامرة سلفاً. وبحنكة الدليل، يقودنا في أغنيته الجديدة «من كوكب الفيحاء» (مصمّم الأصوات والإيقاعات جواد نوفل «مونما») إلى وجه المدينة النائم في سرير القتال الطويل. أغنية تستمد قوّتها من اليومي، وغالب الظن أنّ التآلف مع الأغنية لا يحتاج إلى ذائقة موسيقيّة محددة. عموماً، هذه أفضلية يحظى بها فنانو الراب: التمرّس في الواقع وتبادل اللكمات معه بلا مساومات قد تقتضيها الموسيقى.


لكن جزءاً منهم، هنا في لبنان، يغدقون السامعين بالدعوات إلى العنف وتقديم الكراهية المجانية على نحو متواتر، كأنّه امتداد لدعوات رُفضت سابقاً. وربما هذه هي ميزة «من كوكب الفيحاء» (كليب من إخراج فراس حلّاق) الأساسيّة: إنّها تخرج مدينة المحاور الطارئة من مستنقع التنميط المحلي، كما يشير «الراس» في بداية التعريف عنها، كما تخرج الأغنية من رتابة (معظم) الراب اللبناني، وتنساب كلماتها عبر ايقاعات هادئة، وطبعاً، يبقى فحواها هو الألمع فيها. إنها مدينته وهو قادر على إشعار الجميع بذلك. اللكنة وحساسية القول، والمعرفة التامة بأصداء الزواريب. يحاول أن ينتزع من السامعين اعترافاً بمدينية طرابلس المستمرة، عبر ترداد شيء من معالمها المعاصرة. بعد الأحداث والصورة الإعلامية الأخيرة عن «الفيحاء»، ربما بات الأمر يحتاج إلى اعتراف، يتجاوز به صاحبه الحروب الصغيرة التي تقف خلف تفتيت الأحياء وتحويلها إلى محاور. وعندما ينجح في الحصول على اعتراف، يسرد السيّد آليات العيش، مع صديقه علي، رسام الغرافيتي. يناشده العودة لأن جدران طرابلس ثُقبت، ولأنّ وجوهاً كعلي، ذابت، تاركةً آثار الرحيل تقطر كمطر خفيف. إلى «القلوب الحزينة التي في الغربة»، يهدي «الراس» أغنيته، وهم كثيرون في أي حال. لقد أدوا أدواراً شاقة على خشبة طرابلس في حقبات سابقة، واخترعوا لأنفسهم أمكنة داخل الأمكنة، قبل أن تنتهي طموحاتهم على صليب التحولات الكبرى.
الأغنية تعطي صورة لا يعرفها كثيرون من غير سكان طرابلس عنها. صورة لفنانين وعدميين، نأوا بأنفسهم عن وحل السلطة. اتخذوا مواقف بالتصالح مع هوية المدينة (الدينيّة ربما؟) والالتفاف عليها من دون أن يكون ذلك انتقاماً من صعوبة الاختلاف مع الأطياف الكثيرة السابحة فيها. على العكس تماماً، تتجول الكلمات بين البحصاص والحلّاب والبقار ومعالم طرابلسية أخرى، كما لو أنها للجميع، رغم أنف كل شيء. هكذا، تصير المدينة معقلاً للمهمشين وأصحاب النقمة ضد السائد. إنّها دعوة إلى العودة، للذين غادروا، ولكنها مبطنة بتفهّم كبير للاستنزاف الذي تعرضوا له. مزيج من ألم سببه المتغيّرات السريعة، وإيمان عميق بأنّ الرسم بالأضواس على حيطان طرابلس، وما يمثله أحياناً من قوة تعبيرية ضد السلطة، في موازاة تفشي الأفكار الصحراوية وتوزيع السلاح على الظلاميين كما يوزع الموز على القردة، سيكون بمثابة الاستعادة لمنفذ قديم فقده كثيرون للعبور من طرابلس إليها، بحثاً عن مكان للحرية في هذا الجحيم المتنامي. والجحيم بحد ذاته ليس دركاً نزلت إليه الأحوال، إنّما هو ببساطة تعب المهمشين، ورضوخهم للذين يشعلون الشوارع. سابقاً، تدبر صاحب الأغنيّة وصديقه الرسام ـ وغيرهما من أهل الشبه ـ لأنفسهم صيغاً تحميهم من «حافظ وبشار والحريري والأسير». فيما يرمز الأوّلان إلى ديكتاتورية طويلة تختزل معاناة الطرابلسيين مع وحشيّة الحرب، وتفهمهم لانتفاضات الآخرين، يبدو استعمال الثاني في مثابة التدليل على العملاق الأوليغارشي الذي ابتلع أحلام الطرابلسيين. والحريري هنا استعارة لجمع الحيتان الأخرى في صورة. وطبعاً، لا يحتاج الأسير إلى تعريف. إنّه في المؤخرة، مؤخرة الأحداث، والصورة الشائعة أخيراً.
لا يقف مازن، الصحافي والكاتب أيضاً، على شرفة مرتفعة ويطل على طرابلس. يذهب إلى هناك على قدميه، ويعبر ساحة عبد الحميد كرامي، التي أطلق الإسلاميون عليها اسم «ساحة الله». وبشجاعة لافتة، يعلن الله دولفيناً، له تمثاله أيضاً في وسط طرابلس. تمثال أصفر لطيف للمهمشين. يقف بثباتٍ على الأرض، مطلقاً كاميراه في زحمة الأزقة، بين وجوه غاضبة تمر في الفيديو، حيث لا مسلحين ولا محاور ولا قادة. يستغل هدوءاً بتنا نستغربه ونعجز عن تفسيره. ولا يطلب الكثير، العودة شائكة والطريق شاقة. يطلب أن يذكروا الوجه الآخر من طرابلس الذي نما داخل وجهها الطيب الأصلي، قبل أن تتفاقم نتوءات القتال التي نبدو جميعاً عاجزين عن إيقافها... نتوء القتال الأهلي الطويل النابت في ألوف الوجوه الطرابلسية البريئة.

يمكنك متابعة أحمد محسن عبر تويتر | @Ahmad_Mohsen






Balancos يخاطب «المسؤول»

بعد مرور أكثر من عامين على إطلاق أغنية «يا مسؤول»، كشف مغني الراب اللبناني علي درغام المعروف بـ Balancos عن الكليب الخاص بها. صحيح أنّ الكليب أُطلق الشهر الماضي، لكنّه يلاقي اليوم رواجاً كبيراً على الـ social media. في الذكرى السبعين للاستقلال، نشر الفنان الشاب الشريط المصوّر على قناته الخاصة على يوتيوب، في محاولة لتجسيد معاناة وهموم المواطنين على مختلف الأصعدة. العمل إخراج باسم جابر، وتصوير هادي زنجي، وأنجز بمساعدة مجموعة من الأصدقاء، وبالتعاون مع منظمة A Positive Way الإنسانية اللبنانية.