ما لنا لم نعد نحمل القلم إلا لنرثيهم، يتساقطون واحداً تلو الآخر ليزداد بؤس المشهد الراهن؟ صحيح أن كريستيان غازي انسحب من الضوء قبل وقت طويل، ادانةً واحتجاجاً. لكنّنا كنّا نراه على الأقلّ، في تكريم (غير رسمي) أو فيلم أو مقالة أو مقهى. كنا نعرف أنّه في الجوار: يستأنف نقده واحتجاجه بين نوبتي يأس. يستعيد «الأيّام الجميلة» كما في مسرحيّة بيكيت. يلتفّ حوله الشباب فيذكّرهم بالأولويات التي نسيَها آخرون. بعد الآن لن يخيّم طيفه على مقاهي شارع الحمرا وحاناته، لن يسكر ويشتم ويحرّض على الثورة والعصيان.


لقد انسحب بالكامل، لتفقد الثقافة اللبنانيّة شاهداً راديكاليّاً ساهم في صنع عصرها الذهبي إلى جانب رفيقة دربه مادونا غازي التي تبقى اليوم أحد أقانيم مسرحنا الحديث مع رضا خوري ونضال الأشقر. إنّه أيضاً المخرج الذي جعل ريمون جبارة (ولو في السينما) يحمل البندقيّة من أجل فلسطين. مثل روجيه عسّاف جاء من الفرنكوفونيّة إلى العروبة والفنّ مع الشعب، أما أندريه جدعون، رفيق البدايات، فتركه في «الجبهة الشعبيّة» وهجّ إلى الخندق الآخر. صوّر أربعين فيلماً عن الفقراء والفدائيين ومزارعي التبغ، لكنّنا لا نعرف سوى عناوينها. وصلنا «مئة وجه ليوم واحد» و«الفدائيّون» من السبعينيات السعيدة، ثم حقق «نعش الذاكرة» وصيّته ومرثاته لذاته ولجيله، وأهداه «إلى من سيفهمه… وإلى الأجيال المقبلة». الأجيال المقبلة؟ ستحفظ أنّه أحد أبناء دزيغا فيرتوف مثل أبو علي مصطفى، كانوا يحملون الكاميرا بصفتها كلاشنكوفاً. و أن مشاركته في العمليّات داخل فلسطين المحتلّة كانت فعلاً ثقافياً. وأنّه أمضى سنواته الأخيرة على الهامش منسيّاً ومعزولاً. هل نرثيك أم نرثي أنفسنا يا كريستيان غازي؟


يمكنكم متابعة بيار أبي صعب عبر تويتر | [email protected]