لن يتعرّف بعض المتابعين للسينما اللبنانية على اسم كريستيان غازي (1934 ـــ 2013) بسهولة بعد أن يسمعوا أنّه رحل ليل أول من أمس. لا بدّ من أن يتساءلوا: مَن هو؟ رغم أنه من روّاد السينما المستقلّة الجادّة والمناضلة منذ شريطه الروائي «الفدائيون» (1967)، إلا أنّه لم يكن محظوظاً كمارون بغدادي وبرهان علوية، اللذين انطلقا في الحقبة نفسها، لكنّ أعمالهما لم تُحرق على يد الحرب والميليشيا والسلطة.


«مئة وجه ليوم واحد» (1969ــ 1970) هو الفيلم اليتيم الذي نجا لأنّه كان حينها في «المؤسسة العامة للسينما» في سوريا. نال الشريط جائزة لجنة التحكيم في «مهرجان السينما البديلة» في دمشق عام 1972، مع اعتراض عبد الحليم خدام على الجائزة وعلى الفيلم بحسب ما روى المخرج الراحل، وهو يجمع نتفاً من ذكرياته في الوثائقي الذي أنتجه «نادي لكل الناس» عن مسيرته (مسرح عند ملتقى الرياح). لم يحبس كريستيان دموعه حين أمسك بالنسخة الوحيدة من هذا الفيلم، من بين أعمال كثيرة أخرجها وطغى عليها اللون الوثائقي.
«صوّرت 43 فيلماً، كلها مُنعت من العرض. لا أملك حتى أي ورقة فيها» كان يردد هذه الجملة بحرقة قلب، وكان واضحاً أنه لم يبحث في حياته عن شهرة، بقدر ما كان يبحث عن أعماله التي تحولت ناراً أدفأت أيادي المليشيات. كان للمكتب الثاني شرف حمل الشعلة الأولى. على باب «تلفزيون لبنان»، أحرق عناصره أعمالاً وثائقية كانت وزارة السياحة قد كلّفت كريستيان غازي انجازها عام 1964، دافعاً ثمن مشاكسته حين رفض أن يضع الفلاح في شريط للترويج السياحي إلى جانب شريط عن «كازينو لبنان»، فتلاعب بأصوات الشريطين، واضعاً صوت الفلاح في صالة الكازينو، وصوت الماكينات على صور الفلاح وبقراته. لم تمنعه مشاكسته أيضاً من حمل السلاح والمشاركة في العمليات الفدائية الفلسطينية متسللاً على الحدود بين فلسطين ولبنان. شاركته حياته النضالية اليسارية زوجته و«ديفا» المسرح اللبناني في السبعينيات مادونا غازي، التي عملت معه في «صوت الشعب» حين كان مديراً للنشرة الفرنسية فيها لمدة عشر سنوات بدءاً من 1985 وترك رحيلها أثراً مؤلماً في حياته.
أمسك البندقية بيد، والكاميرا باليد الأخرى وكرّت سبحة أعماله التسجيلية، من «مزارعي التبغ في الجنوب» و«الحياة في المخيمات» (1970)، ثم «الوجه الآخر للاجئين» (1971)، ثم شريط آخر عن مزارعي التبغ المسنّين عام 1974، وأخرج سلسلة أفلام وثائقية عن الحرب الأهلية بين 1976 و1983، لكنّ المليشيات دخلت منزله عام 1983 وأحرقت نيغاتيف كلّ أفلامه لتتدفأ بها! هذه المرة، لم يستطع أن يفعل شيئاً. لم يستطع أن يثأر ممّن أحرق أعماله كما فعل حين أطلق النار ليقتل القنّاص الذي أصاب كاميراه برصاصة، فعطبها. لقد عُطب إلى الأبد: «كانت صدمة أن تشتغل كل حياتك منذ 1960 ثم يأتي أحدهم، ويحاول أن يتدفأ على تعبك. كنت أنتظر أن تنتهي الحرب حتى أطبعها» هكذا قال لنا قبل سنوات (الأخبار 4/11/2009). قبل أن يُحمل نعش كريستيان إلى مثواه الأخير، حمل بنفسه نعش ذاكرته ودفنها في فيلمه التسجيلي «نعش الذاكرة» (2001) الذي أهداه لمن سيفهمه. صوّر يومياته وحيداً يعيش بين شظايا ذاكرته، من دون أن يستثني ــــ حتى في الشريط الوحيد عن حياته ـــ الجزء المتعلّق بالاحتلال الإسرائيلي. هذا الراديكالي ورث حبّه للمقاومة عن والده الذي توغّل داخل فلسطين وطرد مع فرقته من الجيش اللبناني الهاغانا عام 1948.
رحل كريستيان غازي بعد مسيرة نضالية، وسينمائية طويلة، ولم نشاهد إلا فيلماً واحداً. لكن ما وصلنا من ذكرياته عرفنا على مجهود بذله في مسيرة سينما ما زالت تبحث عن هويتها في بلد يبحث عن هويته وذكرياته الضائعة.




* مراسم الدفن في الثالثة من بعد ظهر الأحد في «كنيسة الورديّة» (الحمرا)، والعزاء السبت والأحد في الكنيسة نفسها