يحمل عرض «إلغاء» الراقص الكثير من التحديات في وجه المجتمع القمعي الذكوري، أولها حضور الشاب ألكسندر بوليكيفيتش كذكر بجسده الراقص رقصاً بلدياً لطالما توارثته النساء في مجتمعاتنا العربية. قبل ذلك، قدّم بوليكيفيتش (1982) الرقص البلدي على خشبة المسرح في تجربتين هما «محاولة أولى» (2009) و«تجوال» (2011). ولعله الراقص الأول الذي نقل الرقص البلدي الأصيل من خانة الكباريهات وأماكن السهر الليلية الى الخشبة في إطار لغة مسرحية وبالتالي نقل مضمون هذا الفن الشعبي من مستوى التسلية والترفيه الى مستوى يطرح موقفاً إنسانياً.


يصعب إيجاد لغة مسرحية لفن الرقص البلدي في إطاره التراثي، فهو ما زال يشق طريق البداية على خشبة المسرح. لذلك نتوقّع الكثير من المحاولات قبل أن يصل هذا الفن الى لغة مسرحية ناضجة. ورغم أنّ قلة من الفنانين المسرحيين أوجدوا لغة مسرحية ناضجة للرقص البلدي، إلا أنه كان في إطار دمجه مع الرقص المعاصر، الأمر الذي سهّل المهام. إنّ صعوبة إسقاط فن الرقص البلدي الأصيل في قالب الفن المسرحي بشكل عام تكمن في صعوبة دمجه في العناصر المسرحية كالفعل والتعبير الجسدي ــ مثلاً ــ بسبب اعتماده تقنيات محدّدة تعنى بهزّ الجسد بطريقة تحد من حرية تعبيره، فيصبح من الصعب إيجاد لغة مسرحية ناضجة أداءً وإخراجاً لهذا النوع من الفن.
رغم التحديات على هذا المستوى، إلا أنّ بوليكيفيتش نجح في إيصال التيمة للمُشاهد من خلال بناء لغة تواصل بين الرقص والتقنيات البصرية والسمعية التي استخدمها، لكنّ نسيج العرض لم يبدُ متجانساً بحيث تنفصل مشاهده بعضها عن بعض باعتماده لغات مسرحية مختلفة في كل مشهد على حدة. كما أن ربط المشاهد بعضها ببعض لم يكن مشغولاً بشكل متقن إخراجياً. لكن هذا الأمر لم يحد من متعة المتفرّج وتورّطه في المضامين الإنسانية العميقة التي طرحها بوليكيفيتش من خلال جسد راقص يتقن حرفته وذي حضور جذّاب على الخشبة.
اتسم العرض بلغة رمزية، مما أعطى المجال لكلّ متفرج أن تكون له قراءته الخاصة للمشاهد والتفاصيل رغم وضوح الفكرة العامة للعرض ككل ضد القمع. تناول بوليكيفيتش التطرف والإرهاب والاغتصاب الجماعي في ميادين مصر والمثلية الجنسية والرقص البلدي وحرية الإنسان بشكل عام. قد تكون اللغة الرمزية هي الأنسب من حيث إيصال المعنى في قالب الرقص البلدي. يبدأ العرض بخيال الظل الذي يأخذنا مع الموسيقى (جواد نوفل) الى زمن آخر كأنه زمن الوجود الأول الذي يبدأ بحركة ثم تكتمل الصورة الى أن تكوّن الحركة جسداً يرقص ولا يكلّ. يهاجَم الجسد من الخارج بمجسّم للحية كبيرة، فيذوب أرضاً حتى لا يبقى من ظل الراقص سوى اليدين اللتين لا تزالان صامدتين ترقصان في وجه القمع. في المشاهد التالية، يبحث الراقص عن مكان للرقص من خلال عملية نقل البقع الضوئية من مكان إلى آخر، مما قد يرجعنا الى فكرة بحث الإنسان عن مكان ووجود له في هذا العالم. تصبح الكودة الأساسية في العرض أن الرقص هو أساس الوجود أو رمز له. بمعنى آخر «أنا أرقص، إذاً أنا موجود». من هنا، نستطيع أن نرجع صورة البحث عن مكان الى صورة النازح واللاجئ والمهاجر في بحثهم عن أمكنة يعيشون فيها بعدما ضاقت بهم الأمكنة بسبب الحروب أو الأنظمة التعسفية. كما يدمج بوليكيفيتش تسجيلات صوتية لإرهابيين يتحدّثون في العمليات الإرهابية وشيوخ متطرّفين ينادون بقمع المرأة وتعنيفها، وبعض الأصوات التي تكرر بأن الرقص البلدي هو صناعة للنساء فقط في الوقت الذي ينهال فيه بوليكيفيتش بحركات هز للجسد متحدّياً جميع الخطابات القمعية، فينتهي به الأمر بخلع ملابسه على أصوات نباح الكلاب التي بدت كأنها تنهش لحمه.
تمكّن الراقص الشاب ذو الحضور القوي على الخشبة من فرض نفسه كراقص ذكر والحفاظ على إرثنا الشعبي بل توظيفه في قالب جديد شكلاً ومضموناً (قالب مسرحي) في الوقت الذي تتدهور فيه حركة الرقص البلدي في بلداننا. «إلغاء» عرض جريء بمضامينه المتحدّية لقمع الحريات والتعسف من خلال حركة حوض فيها الكثير من الحياة والأمل والثورة تبشر بمستقبل واعد لتطوير أطر فن الرقص البلدي.

«إلغاء»: 20:30 مساء اليوم وغداً ــــ «مسرح دوار الشمس» (الطيونة ـ بيروت) ــ للاستعلام: 01/381290




اللحظة الأقوى

المشهد الأكثر إتقاناً في العرض كان عندما جسّد بوليكيفيتش القمع والتحرش المعنوي والجسدي والجنسي في صورة (فيديو) قوية لأياد تلمس جسده نصف العار. تلمسه في كلّ الأمكنة والحساسة بشكل صادم يستفز المُشاهد الذي اعتاد أن يرى حالات الاعتداءات على جميع المستويات من دون أن يحرّك ساكناً. جاءت هذه الصورة لتصفع المُشاهد صفعة إيقاظ ضد الاستلاب وتؤكّد ضرورة «إلغاء» المعتدي. لكن بوليكيفيتش يخرج من إطار الضحية محطّماً الجدار الرابع، فينادي بمهندس الصوت قائلاً جملة الراقصات الشهيرة: «عليهم» التي أخذت معنى مختلفاً لدى بوليكيفيتش في أنه يعلن الحرب عليهم من خلال الرقص البلدي ومحافظته على بقاء هذا الإرث.