كان علينا أن ننتظر 80 عاماً لتظهر الأعمال الكاملة «كتابات على الرمال» (باللغة الفرنسية) للكاتبة والمستشرقة السويسرية إيزابيل إيبرهارت (1877ـــ 1904)، وثلاثين عاماً أخرى لنرى الترجمة العربية لهذه الأعمال التي صدرت أخيراً عن «منشورات الجمل» (ترجمة عبد السلام المودني ومراجعة صالح الأشمر) ومتوافرة ضمن «معرض بيروت العربي الدولي للكتاب». المثير أنّ تلك السنوات لم تُثقل على الشذرات والقصص القصيرة والرواية التي نُشرت في مجلّدين ضخمين ضمّا توصيفاً طازجاً لارتحالات السنوات السبع التي قضتها إيبرهارت في شمال أفريقيا، وفي الجزائر بشكل خاص.


إيبرهارت غير معروفة للقارئ العربي بشكل كبير. لعل الترجمة العربيّة التي رأت النور أخيراً ستكون بداية لسلسلة أعمال عن هذه المغامِرة التي تستحق حياتها وأعمالها دراسة موسّعة لأسباب عديدة ليس اعتناقها للإسلام، والطريقة القادريّة الصوفيّة تحديداً، أقلّها، بل كذلك لحديثها المُنصف عن سكّان الصحراء، المناقض لمعظم أدبيّات الاستشراق. ليس ثمة مكان للصورة «الإكزوتيكيّة» النمطيّة عن الشرق والصحراء، أو الغرائبيّة التي مللنا قراءتها ومشاهدتها في الأفلام الهوليووديّة وكتب المستشرقين الأوروبيين. إيبرهارت كتبت بصدق عما عايشته في بلاد أصبحت وطناً طوعياً لها منذ أن اختارت الارتحال إلى أفريقيا في سن العشرين، حتى لحظة موتها المذهلة غريقة في طوفان اجتاح بيتها الصحراوي.
ولدت إيبرهارت عام 1877 في جنيف لأم ألمانية ذات أصول روسية، ولم تُشر شهادة ميلادها إلى الأب الذي يشعر قارئ الأعمال بوطأة حضوره الخفي، وإن كانت روايات عدة قد أشارت إلى أنّ الأب هو معلّمها ألكسندر تروفيموفسكي، الأرمني المولد الذي كان قساً قبل أن يترك الدين ليعتنق الأناركيّة. وفي ظل هذه الأصول المختلطة، لم يكن مستغرباً أن ترث إيزابيل ذخيرة واسعة من اللغات كالإيطالية والفرنسية والألمانية والروسية، إلى جانب لغات أخرى تعلمتها في ما بعد كالعربية والتركية. وبذا، نضجت إيبرهارت قبل الأوان لتشق حياتها بصبر، وتختار السفر إلى العالم الغامض، الصحراء، متسلّحةً بكنية أمها «إيبرهارت»، قبل أن تدخل متاهة الأسماء وتتحول إلى «سي محمود السعدي»، وهو الاسم الذي حملته في الصحراء ونشرت به بعض مقالاتها وقصصها القصيرة في دوريات جزائرية وفرنسية.
متخفّية بعباءة سي محمود، تنقّلت إيزابيل من مرسيليا إلى تونس بين 1899 و1904، واعتنقت الإسلام، والطريقة الصوفية القادرية في الجزائر. وانطلاقاً من غرائبية هذه الرحلة وصولاً إلى غرائبية الموت، لم يكن مصير أعمال إيبرهارت أكثر حظاً. خضعت المخطوطات التي نجت بأعجوبة من الطوفان لتنقيحات وحذوفات كثيرة لأسباب متعددة، بخاصة انتقاداتها الصريحة لممارسات الكولونيالية الفرنسية، قبل أن يستعيد جان روني أولو وماري أوديل ديلاكور معظم المخطوطات الأصلية وينشراها في مجلّدين يضمان الأعمال الكاملة التي تنوعت بين أدب السيرة، والرحلات، والقصص القصيرة، والرواية، إضافة إلى توثيق صحافي للتراث الصحراوي الجزائري في الموسيقى والشعر. وربما كان هذا التشظي الذي أصاب الأعمال السبب الأكبر في غياب اسم إيبرهارت عن أدبيات الاستشراق والرحلات، غربياً وعربياً، حتى ثمانينيات القرن الماضي من دون أن يكون كتاب «الاستشراق» لإدوارد سعيد استثناءً، إذ خلا الكتاب من أي إشارة، ولو عابرة، إلى رحلات إيزابيل سيما أنّ لغتها «مابعد الكولونيالية» ــ لو جاز التعبير ــ في انتقاداتها الشرسة للاحتلال الفرنسي للجزائر، ومهاجمة الصورة النمطية للشرق عند الأوروبيين، كانت ستُفرد لها حيزاً بارزاً عند الحديث عن الاستشراق في العالم العربي، وفي الجزائر بشكل خاص. بالطبع، سيبدو ساذجاً اعتبار أنها بقيت لسنوات تتجول في تونس والجزائر بزي رجل عربي من دون اكتشاف حقيقتها. عيون الصحراويين كانت ستكتشفها منذ اللحظة الأولى. لكن إيزابيل عرفت مفاتيح الدخول إلى ذلك المجتمع، الذكوري بالضرورة، فاختارت بذكاء أبسط بواباته: أي أن تكون مقبولة من الرجال، حيث قدّمت نفسها ببساطة بكونها عاشقة للإسلام، بل لم تتورع عن الانغماس في عالم المجالس الذكورية الصحراوية بكل تفاصيله، ابتداء بالأحاديث الصوفية وصولاً إلى تدخين «الكيف».
كان هذا الانغماس عنصراً قوياً في تميز أعمالها التي كانت تنبض بكل لحظات حياة الصحراء وسكانها، حيث كانت شذراتها ورسائلها وقصصها جدارية تفصيلية عن الحياة الصحراوية، خصوصاً أنّ تلك الحياة كانت شفهية في معظمها، ما أتاح لإيزابيل أن تكون المتحدث شبه الوحيد بلسان أناس القاع الجزائريين. لاحقاً، التقطتها العيون الثاقبة لعشاق الصحراء، فاندفعوا لترجمة تلك الأعمال ونشرها، لا سيما الأميركيّ بول بولز الذي ترجم لها مختارات قصصية «التوّاقون للنسيان» (1975) إلى الإنكليزية، بعد عامين من ترجمته الشهيرة لرواية «لأجل الخبز وحده» (الخبز الحافي) للمغربي محمد شكري.
التشرد وانتقاد الكولونيالية هما مفتاحا الدخول إلى عالم إيزابيل إيبرهارت. بعد القَطْع مع حياتها الأوروبية السابقة والعائلة، قررت اختيار مصيرها لتبدأ حياة الارتحال، فـ«التشرد هو الانعتاق، والحياة على امتداد الطرقات هي الحرية»، كما كتبت في بواكير أعمالها. وبسبب عملها الصحافي، كانت على تماس يومي مع «بلاد الرؤى»، فبدأت توثيق «الجمال المتقلب لأرض أفريقيا» الذي يكمن في «التقلبات العجيبة للضوء على مواقع مملة وآفاق فارغة». التوثيق بالألوان كان وسيلتها في الكلام. نجد في جميع النصوص تقريباً حضوراً كثيفاً للألوان في امتزاجاتها وتناقضاتها بالمقارنة مع الحياة النمطية الجامدة «أحادية اللون» في أوروبا.
منمنمات صحراوية قد تبدو للوهلة الأولى متشابهة بكثبانها وزرقة ليلها، لكن حضور الإنسان والعمران البسيط هو ما يكسر تلك الرتابة حيث «تقوم المدينة العتيقة، متزاحمة وسديمية بكل منازلها المشيدة بالطوب الأسود، وشوارعها التي لا تحمل أسماء، ومن دون تراصف ومن دون بلاطات، لطيفة بأشيائها غير المتوقعة، مع أنها متشابهة»، بالمقارنة مع العمران الحديث الذي يحاول محاكاة الحضارة الأوروبية، ولكنه يقع في فخ الاستنساخ «حيث الشوارع واسعة، ولا توجد أماكن ظل أو غموض». هذا الحضور اللونيّ مستند بقوة إلى الروحانيّة الصوفيّة التي اعتنقتها إيزابيل، حيث يصبح للمكان نكهة مغايرة عند تأمل الظلال والأصداء، دون أن ننسى تأثير «الكيف» الذي يتبدّى في متاهة السرد في بعض القصص القصيرة التي كُتبت قبيل وفاتها الغرائبية.
هذه المقارنة العمرانية كانت إحدى أهم وسائل إيبرهارت في تحقير أوروبا وشجب الممارسات الكولونيالية البغيضة، إذا أضفنا المعايشة اليوميّة للأهالي المطحونين في رحى الاحتلال الفرنسي وأدواته من الأعيان. ونجدها أيضاً في نصوص بعينها، لا سيما تلك المكتوبة أثناء مشاركة إيبرهارت في تحصيل الضرائب من «السكان المحليين» لصالح الخزينة الفرنسية. وربما كانت هذه الكتابات بالذات، إضافة إلى قصص قصيرة ورسائل منشورة في عدد من الدوريات الفرنسية، سبباً أساسياً من أسباب نقمة السلطات الفرنسية على إيزابيل، ما تسبّب بطردها من تونس قبل أن تعود إلى الجزائر بعد زواجها من ضابط صف في سلاح الفرسان الجزائري، هو سليمان إهني، الذي كان يحمل الجنسية الفرنسية. بعد وفاتها، لاقت كتاباتها المصير ذاته من الإقصاء والحذف من الناشرين الفرنسيين مدة ثمانين عاماً قبل أن تصدر الأعمال الكاملة في الثمانينيات، أو شبه الكاملة، لو شئنا الدقة، إذ بقيت نصوص قليلة، حتى في هذه الطبعة، ضحية للتشوهات والنقص بفعل كولونيالية «ناعمة» جديدة.




zoom | أعمالها الكاملة للمرّة الأولى في المكتبة العربية


تضم الأعمال الكاملة لإيزابيل إيبرهارت (الصورة) مجلّدين ضخمين (1200 صفحة تقريباً من القطع الكبير في الطبعة العربية). نجد في المجلد الأول مزيجاً من الشذرات الصحافية والرسائل والمذكرات موزّعاً على ثلاثة أقسام: «اليوميات»، و«ملاحظات على الطريق»، و«تشرّد» إضافة إلى ملاحق تحمل عنوان «أشياء من الجنوب الوهراني». وهذه الأقسام منشورة بترتيب زمنيّ يوافق مسيرة رحلة إيزابيل من أوروبا إلى الصحراء الجزائرية. فيما نجد في المجلد الثاني الأعمال الأدبية التي تُنشر للمرة الأولى، وتضم 57 قصة قصيرة، وأربع مخططات روائية، ورواية «المتشرد» شبه المكتملة. وقد نُشرت هذه الأعمال، كذلك، بحسب تاريخ كتابتها، إضافة إلى ألبوم صور لإيزابيل في أزياء مختلفة، وصورة لزوجها سليمان إهني، وصورة أخيرة لقبرها.
«كتابات على الرمال» هو الكتاب الخامس في سلسلة ترجمات الروائيّ والمترجم المغربي عبد السلام المودني (1976) بعد ترجمته لثلاث روايات من أعمال الروائي الفرنسي المولود في الإسكندرية جيلبير سينويه (1947): «أخناتون: الإله اللعين» (2011)، «يريفان» (2011) و«محمد علي: الفرعون الأخير» (2012)، ورواية الروسي أندريه ماكين (1957) «الوصية الفرنسية» (2012)، وجميعها صدرت عن «منشورات الجمل» أيضاً (بيروت – بغداد).