اختتم «مهرجان دبي السينمائي الدولي» دورته العاشرة ووزّعت الجوائز على الأفلام الفائزة ضمن المسابقات الذي ينظمها المهرجان سنوياً. لم يفاجأ الحضور بفوز «عمر» كأفضل فيلم ضمن مسابقة المهر العربي للأفلام الروائية الطويلة ومخرجه هاني أبو أسعد الفلسطيني كأفضل مخرج. السينمائي الفلسطيني يصوّر في عمله الذي جال مهرجانات كثيرة وحظي بحفاوة نقدية، الحرب النفسية التي تشنّها اسرائيل على الفلسطيني وقد تضاهي بعنفها الوسائل العسكرية. ولو أنّ محمد خان لم يفز في هذه المسابقة، إلا أن بطلة فيلمه الجديد «فتاة المصنع» (الأخبار 10/12/2013) ياسمين رئيس فازت بجائزة أفضل ممثلة.


كذلك، حاز الفيلم جائزة الاتحاد الدولي لنقاد السينما للأفلام الروائية. كما فاز الفيلم المغربي «هم الكلاب» لهشام العسري بجائزة لجنة التحكيم الخاصة، والممثل حسن باديدة بجائزة أفضل ممثل عن دوره في الفيلم الذي يتناول قصة سجين اعتقل أثناء ما عرف بانتفاضة الخبز في المملكة المغربية عام 1981 وخرج من السجن عام 2011 ليستكشف عالماً غريباً عنه ومدينة بات يجهلها. سُجِّل أيضاً غياب «سلم إلى دمشق» لمحمد ملص عن لائحة الجوائز فيما حازت المخرجة اللبنانية زينة دكاش جائزة الاتحاد الدولي لنقاد السينما للأفلام الوثائقية عن فيلمها «يوميات شهرزاد»، إلى جانب شهادة تقدير في مسابقة المهر العربي الوثائقي عن الفيلم نفسه الذي يتناول قصص سجينات في سجن «بعبدا». الفيلم اللبناني الوثائقي «أرق» لديالا قشمر الذي تحلل فيه مفهوم «القبضاي» من خلال الشباب الذين تحاورهم في حي اللجى في بيروت، حاز جائزة لجنة التحكيم الخاصة في المهر العربي الوثائقي. واختارت اللجنة الفيلم الوثائقي المصري «الميدان» لجيهان نجيم كأفضل فيلم. يصوّر الشريط الوثائقي نضال شباب الثورة المصرية في الميدان، وصراعهم لنقل ما يحدث إلى الخارج عبر الكاميرات ووسائل التواصل الرقمية. وكان «الميدان» يشارك في المسابقة إلى جانب فيلم مصري آخر يتناول أيضاً موضوع الثورة وإن من زاوية مختلفة هو «موج» للمخرج المصري أحمد نور. يصور الأخير مدينة السويس ودورها في الثورة المصرية، مازجاً بين تاريخ المدينة وتاريخه الشخصي في لغة بصرية تجريبية وفريدة من نوعها، حيث يلعب على التناقض بين الجامد والمتحرك مجسداً الوقت الذي يمر بالتزامن مع تقدم الثورة والصراعات التي تواجهها. ضمن فئة المهر الآسيوي الأفريقي، حاز الفيلم الياباني «خيول فوكوشيما» ليوشيكو هاشيموتو وشيجيكي كينوشيتا جائزة أفضل فيلم. يتناول الشريط حياة خيول فوكوشيما وصراعها للبقاء ضمن كل الأحداث التي واجهتها من التسونامي إلى تعرضها للإشعاعات لكنها تبقى على قيد الحياة لتشارك في المهرجان الذي يقام سنوياً للخيول منذ حوالي 1000 عام. أما ضمن فئة المهر الإماراتي، فحاز فيلم «لا تخليني» لعبدالله حسن أحمد وخالد المحمود جائزة أفضل فيلم، متناولاً قصة امرأتين تجمعهما حادثة قديمة منذ المدرسة وتلتقيان مجدداً في العشرين من العمر. ورغم أنّ الواحدة لا تتعرف إلى الأخرى، إلا أنّ هناك رابطاً خفياً يجمعهما. أما ضمن فئة المهر الآسيوي الأفريقي الروائي، فحاز «إيلو إيلو» للمخرج أنطوني تشن جائزة أفضل فيلم. يصوّر العمل عائلة تعيش في سنغافورة وصراعاتها الداخلية، وتعيش معها الخادمة الآتية من الفيليبين. يرصد الشريط تفاعل الخادمة مع «جيال» الابن المضطرب حيث ينشأ رابط عاطفي قوي بينهما، إلا أنّ العائلة سرعان ما تعاني مجدداً من آثار الأزمة الاقتصادية الآسيوية لعام 1997. ومنحت شهادة تقدير لريتاش باترا عن سيناريو «علبة الغداء»، وجائزة أفضل ممثل لعرفان خان عن دوره في الفيلم. «علبة الغداء» يتناول قصة مدهشة لشخصين تتقاطع حياتهما من خلال علبة الغداء التي ترسلها إيلا إلى زوجها ويوصلها عامل التوصيل بالخطأ إلى شخص آخر اسمه ساجان. توصيل علب الغذاء خدمة شائعة في الهند ويعمل فيها أكثر من 5 آلاف شخص في مومباي، ويوصل هؤلاء الأشخاص علب الغذاء سواء من المطاعم أو من ربات المنزل اللواتي يسكنّ في الضواحي إلى أزواجهن في المدينة. بسبب هذه الصدفة، تبدأ سلسلة من المراسلات الشخصية بين هذين الشخصين اللذين لا يعرف أحدهما الآخر عبر علبة الغذاء حيث يروي كل منهما التفاصيل اليومية والحميمية لحياته. ساجان رجل في خريف العمل وحيد بعدما توفيت زوجته، وإيلا شابة متزوجة لكن لا تواصل حقيقياً بينها وبين زوجها. «علبة الغداء» فيلم جميل بالتفاصيل الصغيرة التي يصورها وتعبّر عن مواضيع كثير كالخوف والوحدة والحب بطريقة خاصة واستثنائية.
وكان للبنان أيضاً هذه السنة من جوائز المهر العربي القصير. حصل علي شري على جائزة أفضل مخرج عن فيلمه «ارتباك». كذلك حاز كميل سلامة شهادة تقدير لأدائه المتميز في فيلم «عكر». يجمع «ارتباك» بين الوثائقي والتجريبي ويتناول تاريخ الزلازل في لبنان ومفهوم الكوارث الطبيعية بطريقة رمزية ليصوّر قلقه الخاص وإحساسه بكل تلك الزلازل الصغيرة التي تحدث يومياً ويشعر بها وحده. تكمن أهمية الفيلم في لغته البصرية التي تدخل في تناقض مع النص المكتوب الذي يتناول ببرودة الحقائق العلمية للزلازل والكوارث وتنجح في نقل حالة الارتباك الذي يريد المخرج تجسيدها ويبدو فيها الزلزال حالة نفسية تعبر عن قلق الأرض الداخلي. وفاز الفيلم العراقي «الصوت المفقود» لبافي ياسين بجائزة أفضل فيلم ضمن المهر العربي القصير الذي يروي قصة مغنية عراقية تلجأ إلى بلجيكا حيث تلتقي بحسن، لاجئ آخر من بلدها. وعن فئة المهر الآسيوي الإفريقي القصير، فاز «نفاد الغاز» للمخرج آسخات كوشنشيريكوف الذي يروي رحلة صبي برفقة أبيه إلى البحيرة التي تسكن أحلامه. كما حاز الشريط العراقي «أطفال الله» للمخرج أحمد ياسين جائزة الاتحاد الدولي لنقاد السينما للأفلام القصيرة. يصوّر العمل قصة صبي بترت رجله ويشجع فريق كرة قدم البنات ضد الصبيان لإعجابه بفتاة تلعب ضمن الفريق.





محمود حجيج... الحياة «طالع نازل»




من الأفلام الروائية اللبنانية المميزة التي عرضت أيضاً ضمن الدورة العاشرة من «مهرجان دبي السينمائي الدولي»، شريط «طالع نازل» لمحمود حجيج.
يروي الفيلم قصة أفراد يعيشون في البناية نفسها أو يقصدونها لرؤية الطبيب النفسي ذاته. تجري معظم الأحداث في المصعد أو في عيادة الطبيب النفسي، ويتميز العمل بحواراته الذكية التي لا تخلو من الطرافة وبشخصياته المشغولة بعناية، كذلك بلغته السينمائية الخاصة التي تكرس روتينية الإيقاع اليومي للحياة وعبثيته. تتكرر المشهدية نفسها متمثلة في الديكور ذاته (المصعد أو عيادة الدكتور النفسي) حيث نراقب تحركات الأفراد ضمن المكان الموحد حيث يبدون كأنّهم مسجونون فيه وانتقالهم من حالة نفسية إلى أخرى لدى تبدل المكان أو لدى تواجدهم بمفردهم في المصعد.
كذلك، تتشارك بطولة الفيلم نخبة من الممثلين اللبنانيين هم ندى أبو فرحات، عايدة صبرا، حسن مراد، كميل سلامة، يارا أبو حيدر، فادي أبي سمرا، ديامان بو عبود، منال خضر، وزياد عنتر، وحسام شدات، ومنذر بعلبكي. يقدّم هؤلاء أداء متميزاً عبر تجسيد هذه الشخصيات ذات البناء الدرامي المعقد بكل تناقضاتها وصراعاتها الداخلية.



لبنان الوثائقي: من أين أدخل في الوطن؟





ديالا قشمر دخلت حي اللجى وروّضت «قبضاياته»، وزينة دكاش كشفت مأساة سجينات بعبدا، وفيليب عرقتنجي يبحث في معنى الهوية والانتماء، وسارة فرنسيس تجوب المدينة وشخصياتها في إطار شاعري

كان للسينما الوثائقية اللبنانية حضور لافت في «مهرجان دبي» هذه السنة وحصة واسعة من الجوائز. «أرق» لديالا قشمر الذي حاز جائزة لجنة التحكيم الخاصة في فئة المهر العربي الوثائقي، يتوغل في منطقة محظورة يخشى أغلب اللبنانيين تناولها أو حتى دخولها فعلياً. الفيلم بأكمله صوِّر في حي اللجى الذي يجاور شارع مار الياس المشهور. هذا الحيّ مشهور بـ«زعرانه» أو «قبضاياته» كما تختار المخرجة تسميتهم. الفيلم نفسه يبحث في هذه التسمية وفي التناقض بين صورة «القبضاي» عن نفسه وفكرة المجتمع عنه. في بداية الفيلم، يتصدّى «القبضايات» للمخرجة ويتملكهم الخوف والريبة من الكاميرا المسلطة عليهم كأنها تهدد وحدة هذا العالم المتواري حيث يعيشون في حي اللجى منفصلين عن الخارج وقوانينه. لكنّهم سرعان ما يستسلمون للبوح وللعبة التحليل الذاتي التي تقودهم إليها المخرجة. لعل أجمل ما في الفيلم مراقبة التفاعل بين المخرجة و«القبضايات». تفاعل يبدو في البداية كأنه صراع على السلطة، فكيف ستنجح المخرجة في ترويض مَن لا يعترف بالقوانين المتعارف عليها وإخضاعه لسلطتها، وسجنه ضمن الكادرات التي تريد وإخضاعه لأسئلتها؟ يضاف إلى ذلك أنّها امرأة وسط هذا المجتمع الذكوري. الغريب أنّ «القبضايات» يتقبّلون سلطتها ولو بنوع من الاستغراب والاستهجان في البداية، حتى أنهم يبدون إلى حد ما أشبه بتلاميذ تديرهم «المعلمة» المخرجة ديالا قشمر كيفما تريد. لا يخلو الأمر من تذكيرهم الطريف لها كل حين بأنّها امراة وتحتاج إلى حمايتهم كأنما في محاولة وهمية لاسترجاع السلطة التي انتزعتها منهم. من خلال هذا العمل، تنجح ديالا قشمر في تفكيك صورة «القبضاي» النمطية في أذهاننا وحتى زعزعة فكرة «القبضاي» عن نفسه واستكشاف جانب آخر منه لا يخلو من الرقة والهشاشة وحتى شعوره بالتهميش والدونية في هذا المجتمع. في سؤال للمخرجة عن الحب والعلاقات العاطفية، يجيب أحدهم: «مين يللي بدها تحبنا، يا حتهج، يا حتروح سكتة قلبية» أو فيه سؤال آخر عن نوع الموسيقى التي يسمعونها، يعلق أحدهم: «بالعربي المشبرح، ما منسمع إلا نوري». ومن أكثر الجمل المعبرة عندما يفسر أحد القبضايات حبه للمشاكل بالتالي: «أنا بحب القلق». الوثائقي اللبناني الآخر الذي احتفى به المهرجان هو «يوميات شهرزاد» لزينة دكاش الذي حاز جائزة الاتحاد الدولي لنقّاد السينما للأفلام الوثائقية وشهادة تقدير من لجنة تحكيم المهر العربي للوثائقي التي يرأسها يسري نصر الله. نوه المخرج المصري بالمشاركة الفعالة للنساء في حقل الوثائقي هذه السنة وتميزهن في «يوميات شهرزاد» الذي يتناول سيرة سجينات في سجن بعبدا من خلال تصوير مقاطع من حياتهن اليومية ومن مسرحية شاركن فيها جميعاً. تروي كل واحدة قصة حياتها ضمن مشاهد مسرحية عملت عليها زينة دكاش مع السجينات ضمن مشروع «شهرزاد ببعبدا» (الأخبار 26/4/2012). يتميز الشريط بحميمية علاقة المخرجة مع الشخصيات اللواتي تصورهن فيبحن لها بشفافية بأدق تفاصيل حياتهن الشخصية وتجاربهن الجنسية والعاطفية، من طفولتهن ومرحلة البلوغ واكتشاف الجسد والجنس إلى مرحلة الأمومة. نكتشف أن أغلب السجينات لم يعرفن الجنس إلا من خلال الاغتصاب الزوجي والتعنيف، والامومة فرضت عليهن ككل شيء آخر. الحقيقة أنّ هؤلاء النسوة عشن السجن قبل دخوله فعلياً. منذ طفولتهن، لم يعرفن إلا الصمت أو القبول، والرضوخ لتعنيف الأهل والزوج معاً.
تبدو الجرائم التي اتهمن بها وأدّت لدخولهن السجن كأنها الصرخة الوحيدة في وجه كل الظلم الذي تعرضن له. «يوميات شهرزاد» يضيء على القوانين المجحفة بحق المرأة في لبنان التي تجعلها ضحية مرتين: ضحية المجتمع الذكوري والقانون الذي لا يحميها منه بل يعاقبها إن تمردت. هذا ما نراه من خلال قصة السجينة المتهمة بالزنى التي كان زوجها يعنّفها ويخونها باستمرار. لكن حين خانته بدورها، اتهمت بالزنى وأدخلت السجن بينما زوجها حر طليق. من خلال الفيلم، نرى بوضوح وضع المرأة في ظل القانون اللبناني الذي لا يحميها ولا يسمح لها بحماية نفسها إلى حد أنها تجد نفسها في الكثير من الأحيان أمام خيارين: السجن أو الموت. السجن بالنسبة إلى الكثير من السجينات في بعبدا كما يصفه الفيلم هو ملجأ من العنف والفقر أو حتى البيت الوحيد الذي عرفنه كما تقول إحدى الشخصيات. ضمن فئة الأفلام الوثائقية، عُرض أيضاً «ميراث» للمخرج فيليب عرقتنجي و«طيور أيلول» للشابة سارة فرنسيس. في «ميراث»، يتماهى التاريخ الشخصي لفيليب عرقتنجي مع تاريخ لبنان ويبحث انطلاقاً من اضطراره للهجرة من لبنان إلى فرنسا أثناء حرب تموز 2006 في كل الأسباب التي أدت إلى هجرة عائلته على مدى الأجيال منذ سقوط الإمبراطورية العثمانية حتى اليوم. الحكاية نفسها تتكرر ولو اختلف الأبطال والأخيار والأشرار والصراعات القائمة، فهل هي محض مصادفة أم قدر محتوم كما السؤال الذي يطرحه المخرج في الفيلم؟ مع أنه قُدِّم ضمن فئة الوثائقي، إلا أنّ عمل عرقتنجي روائي وتجريبي إلى حد ما، كأنّ المخرج اللبناني يحاول إعادة كتابة تاريخه الشخصي وكل الزوايا التي شكلت هويته. تكمن أهمية الفيلم في قدرة عرقتنجي على خلق دراما وحبكة روائية متماسكة من خلال واقعه الشخصي وحتى العائلي، فيمثل أطفاله وزوجته في الفيلم ويدخلون معه في تساؤلاته عن معنى الهوية والجذور واضعاً كل ذلك في إطار حوار بصري يجمع بين صور نادرة من الأرشيف والمؤثرات والأنميشن، ويحاول إيجاد صلة وصل بين الماضي والحاضر. قد يبدو الحل الذي يقترحه عرقتنجي في نهاية الفيلم أو النهاية السعيدة التي يصورها أشبه بقصص الأطفال مع صورة المنطاد الذي تهوي منه الأثقال التي ترمز إلى ما نختار أن نتخلى عنه، وما نقرر أن نحتفظ به من ماضينا أو هويتنا. لكنه يتماهى مع طبيعة الفيلم الذي هو وثائقي وروائي وألبوم عائلي في الوقت عينه حيث يحاور عرقتنجي المشاهد أو نفسه من خلال أولاده.



طيور أيلول

«طيور أيلول» لسارة فرنسيس يختلف في منحاه التجريبي عن الأفلام الوثائقية في المهرجان. يصوّر علاقة المخرجة والشخصيات مع المدينة في إطار شاعري تجسده لغة سينمائية تجريبية ونص روائي يتماشيان في رحلة بحث كأنما عن المدينة نفسها داخل المدينة. عربة زجاجية تجول بها المخرجة بيروت وتحاور شخصياتها. جسد الشخصيات وجسد المدينة يتماهيان ليشكلا لوحة واحدة قد تبدو متجانسة بصرياً، لكن الحوار الذي نسمعه، يروي صراع الأفراد في هذه المدينة وقلقهم ورغبتهم في الخروج منها.