في مقاله «فلنقل» (الأخبار 14/12/2013)، طرح الشاعر أنسي الحاج فرضية، قائلاً: «لو كانت سوريا على حدود الخليج لا على حدود لبنان، لتغيّرت الحال. لو كانت إسرائيل على حدود الخليج لا على حدود سوريا ولبنان لتغيّرت الحال». مجرد التأمل في هذه الكلمات يضعنا على سكة من التساؤل، وخصوصاً لجهة ربطه بما يحصل اليوم على أرض الواقع. الأزمة السورية التي شارفت على إنهاء سنتها الثالثة، مسببةً انقساماً حاداً في العالم، شكلت على مدى هذه السنوات خزاناً للوقود يمكن إضافته إلى تلك الموجودة في ما يسمى «دول النفط».

فضائيات عربية اتخذت من منابرها متاريس واقتاتت على دماء السوريين ومعاناتهم، ولا سيما الأطفال، الحلقة الأضعف في الحروب والنزاعات. الأجسام الطرية احتلت الشاشات عبر صور المجازر ومشاهد الموت، واستغلّت القنوات الخليجية تلك الأيقونات الطفولية في حملتها الدعائية والسياسية. أسطع مثال على ذلك هو «العربية» التي جعلت صور الأطفال شريطاً ترويجياً لفواصلها مذيّلة بعبارة: «سوريا الثورة».

على موقعها الإلكتروني، لم تبخل في جعل خلفيته أيضاً صورة لطفلة ترفع شارة النصر وإلى جانبها علم المعارضة السورية. وأضيف إلى ذلك مشهد من الإعلان الترويجي الذي بث في نيسان (أبريل) في الذكرى العاشرة لتأسيس القناة. هنا، عرضت المحطة محاكاة للأحداث في العالم، حيث نرى الانتخابات وحركة البورصة وغيرهما من التطوّرات، لكنّها تجري في استوديواتها. ومن بين هذه المشاهد، نرى لثوانٍ نجوى قاسم تسير في أروقة القناة وتجتاز فسحة للأطفال رسمت على ظهورهم الأعلام السورية في أرض مدمرة يصنعون من خلالها فسحة للحياة وللعب. وبلغ هذا الاستغلال ذروته عند القنوات الموالية للنظام والمعارضة له على حد سواء مع «الكسا». العاصفة التي ضربت الشرق الأوسط أخيراً، كانت بمثابة وقود لتغذية أخبار القناة السعودية. هي مفارقة بالفعل أن يحتل خبران متناقضان المساحة عينها: الأول عن واقع مأساة مخيمات اللجوء في لبنان والجوار، والآخر عن كيفية التصدي لغلاء أسعار وسائل التدفئة في المملكة السعودية، الدولة النفطية ذات الإنتاج المحلي العالي في العالم العربي. عادت كاميرا «العربية» إلى المخيمات العشوائية التي بنيت في البقاع اللبناني مع تكثيف رسائلها من هناك وعرض المأساة وتركيز ـ طبعاً ـ على الأطفال في قلب هذا التعاطي، نسأل: هل فعلاً المذيعة في استوديوات الأخبار في دبي شعرت بما طلبت من الكاميرا تصويره؟ هل هالها فعلاً مشهد الحذاء الذي يفوق قياس قدم الطفل السوري؟ هل فعلاً قلبها ومن ورائها القناة على هؤلاء اللاجئين وما يواجهونه من موت وجوع وظروف قاهرة «تشلّع» خيامهم الخفيفة؟ يبلغ الترويج ذروته بخبر عن المساعدات التي قدمتها «الحملة الوطنية السعودية لإغاثة الأشقاء السوريين»، إذ وزعت 6 آلاف بطانية على أكثر من 200 ألف عائلة نازحة سورية في لبنان.
تفيد «المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين» بأن عدد النازحين السوريين في لبنان بلغ أكثر من 800 ألف (طبعاً العدد واقعاً يزيد على ذلك) وسط غياب رقم نهائي عن أعداد المخيمات التي تضمهم والمتوزعة شمالاً. على مدى أيام عاصفة الصقيع، احتل هؤلاء الشاشات وحضرت صور الأطفال الحفاة وأصوات أمعائهم الخاوية وشعرنا ببرودة أجسادهم. الكل وقع في الاستعراض والاستغلال. أصبح هؤلاء مطيّة وجزءاً من الترويج يُداسون للعبور إلى التسييس وتحقيق المصالح. أطفال سوريا يقتلون مرتين: مرةً من الصقيع والرصاص، ومرة أخرى من الإعلام، وأكبر الشواهد «العربية».

يمكنكم متابعة زينب حاوي عبر تويتر | @HawiZeinab