في حال أُجري استطلاع رأي عن أكثر شيء ينتقده اللبنانيون، يمكن المجازفة بالقول إنّ وسائل الإعلام ستتصدّر الإجابات. وغالباً ما يكون العاملون في هذه المؤسسات الأكثر عرضة للانتقاد، بما أنهم الاشخاص المرئيون في المؤسسات، من خلال إطلالاتهم أو تواقيعهم. لا شك في أنّ وسائل الإعلام اللبنانية تشكل مادة دسمة للنقد بفعل الأخطاء الكثيرة التي ترتكبها. وهذا ما تشير إليه الأستاذة في كلية الإعلام والتوثيق في الجامعة اللبنانية نهوند القادري عيسى في كتابها «الاستثمار في الإعلام وتحديات المسؤولية الاجتماعية» (مركز دراسات الوحدة العربية)، إذ تقول إنه «عند كل مفترق، تنكشف وسائل الإعلام في لبنان على حقيقتها وتبدو غير قادرة على إخفاء عيوبها... تحصل الكثير من الأخطاء والارتكابات الأخلاقية على مستوى الممارسة المهنية». إلا أن عيسى لا تكتفي بتحميل المسؤولية لمرتكب الخطأ المباشر، بل تذهب بعيداً من خلال محاولتها تفكيك المشهد الإعلامي اللبناني، ومساءلة مختلف الأطراف المعنية بالإنتاج الإعلامي عن مسؤولياتها المهنية والاجتماعية، لتخلص إلى القول: الإعلام اللبناني في مأزق حقيقي.


لا تشكل الارتكابات المهنية العنوان العريض لكتاب عيسى البحثي. دراستها انطلقت من محاولة فهم الأسباب التي تدفع أصحاب رؤوس الأموال إلى الاستثمار في الإعلام، ونوع الإعلام الذي يجذبهم، ووعيهم للمسؤولية الاجتماعية التي يتحمّلونها كمستثمرين في هذا القطاع. وقد اختارت الباحثة دراسة النموذج اللبناني بسبب عراقته، وتنوّعه، وتداخله مع المشهد الإعلامي الخليجي. لكن هذا السبب يكاد يفقد أهميته في ظلّ الشراكة التي أقامها الإعلام اللبناني مع مستثمرين خليجيين من جهة، وعلاقته مع جمهور عربي واسع من جهة ثانية، لأن نتيجة هذه الشراكة جعلت من «الخطوط الحمر الموضوعة من قبل سوق التلقي الخليجية عائقاً أمام العديد من الأفكار الإبداعية التي كان يمكن أن يتسنّى لها المساهمة في الرفع من مستوى البرامج والمضامين... وخرجت وسائل الإعلام بمعادلة تساوي صفراً، فما أخذته من منسوب الحرية بفضل طبيعة النظام اللبناني بيد، أعطته إلى السوق الخليجية بيد أخرى». هذا عدا أن «الاستثمار في لبنان لم يكن استثماراً لرأسمال وطني عابر للمجموعات وللطوائف وللمذاهب، بل كان استثماراً لرأسمال فئوي وحزبي وطائفي ومذهبي لديه خيوط وامتدادات مع الخارج».
تخلص عيسى إلى هذه النتيجة بعد دراسة ميدانية من خلال المقابلات، ومجموعات العمل المركّزة التي أجرتها مع إدارات المؤسسات الإعلامية، والإعلاميين، والمعلنين، والمجتمع المدني، والمتلقين. وعلى أهمية كلّ المحاور التي عالجها الكتاب المؤلّف من 367 صفحة، نتوقف عند الشق المتعلّق بالصحافيين، لما يحويه من معطيات تشرح الكثير من الأخطاء المرتكبة لا سيما على صعيد المسّ بالأخلاقيات المهنية، وهي المشكلة التي «تطفو على السطح مع كلّ محطة حرجة، لتعود وتخبو من جديد». تنتج عن هذا الخلل في التقيّد بالأخلاقيات مجموعة من الممارسات الخاطئة مثل: «الارتهان إلى مصادر المعلومات، إيلاء الأهمية للسبق الصحافي على حساب المعلومة الصحيحة، ضعف مهارات النقل المباشر وغياب المعايير الاحترافية، فقدان السيطرة على الموضوع نتيجة الوقوع في مطبّ الترويج الذاتي للمحطات، ممارسة رقابة ذاتية ممزوجة بشعور واهم بالحرية والموضوعية».
خلصت عيسى إلى هذه النتيجة بعد إجراء فريق العمل البحثي المساعد 53 مقابلة مع إعلاميين في مختلف الوسائل الإعلامية. ومن المؤشرات التي يمكن التوقف عندها في إجاباتهم أن الصحافيين احتاروا في توصيف أدوارهم «نصّبوا أنفسهم تارة أنهم يدافعون عن حقوق المواطنين، ناقدون، يساعدون على الديموقراطية، سلطة مضادة، وتارة أخرى أنهم وسطاء، صنّاع رأي، مشاغبون». وبسؤالهم عن مفهوم الخبر، لاحظت الباحثة «نوعاً من القصور المفاهيمي لدى غالبية أفراد العينة، إذ خرج العديد منهم عن السؤال المطروح واستفاضوا في الكلام عن كيف يجب أن يكون الخبر». كما اختلفوا في شرح الموضوعية، حتى رأت عيسى أن «هذه المقاربات المختلفة، والمتناقضة، تعبّر عن وقوع أهل المهنة في شرك التبرير المستدام للهفوات ونواقص العمل وأساليب المواربة عبر إنكار المشكلة». وإزاء الإجابات المتناقضة أيضاً، بالنسبة إلى تحديد معنى المسؤولية الاجتماعية، استنتجت عيسى أنها جاءت «محاطة بجملة ألغاز حبكها هؤلاء بهدف إقناع أنفسهم اولاً ومن ثم إقناع الآخرين بمقولات ومفاهيم لم يعطوا أنفسهم فرصة لمساءلتها وهم في طور اختبارها».
عيسى سألت الصحافيين عن المصادر التي يلجأون إليها، فتصدّرتها الأوساط السياسية. فيما تصدّر الأهل قائمة مرجعياتهم الأخلاقية، يليهم الصحافيون الكبار. و«غابت النقابة عن أذهانهم، الطرف الأساسي المفترض أنه معني بوضع أخلاقيات للمهنة». أما المفاجأة فكانت في تصدّر الانترنت قائمة مرجعياتهم المعرفية، لتنتهي بالوسائل الإعلامية الأخرى. وهو ما يعرف في علوم الإعلام بـ«دوران الدائرة الإعلامية على نفسها».
هذه هي إذاً أبرز المؤشرات التي تشير إلى واقع الصحافيين المهني. لكن رغم الجوانب السلبية الطاغية عليها، فهي لا تدفع عيسى إلى إطلاق أحكام قاسية عليهم، هم الذين يعمل قرابة 40% منهم في أكثر من وسيلة إعلامية بسبب الحاجة إلى مردود إضافي، والذين لم يخضعوا إلى تأهيل مهني قبل المباشرة بعملهم. ومن خضع منهم لدورات تدريبية، فعل ذلك خارج إطار المؤسسة التي يعمل فيها بنسبة 60%. كما لا يفوت عيسى التذكير بجملة من «المآزق» التي عصفت بالإعلام اللبناني خلال السنوات الأخيرة منها: صرف مجموعات من الموظفين، التعاقد مع الصحافيين بعقود عمل ظرفية من دون أي ضمانات اجتماعية، طرد أو انتقال العديد من الصحافيين من مؤسسة إلى أخرى، إعادة تموضع لبعض الصحافيين، إعادة تموضع بعض الصحف من خلال التحوّل من مؤسسة فردية إلى شركة مساهمة، تقاسم محطات التلفزة محاصصة بين أمراء السياسة والطوائف وتهميش الإعلام العمومي، احتدام الصراعات بين شركات الإنتاج، أزمات مالية ودعاوى قضائية في مختلف وسائل الإعلام».
إزاء واقع مماثل، لم تعرض هذه القراءة إلا جزءاً بسيطاً منه، يصبح السؤال عن دعوة عيسى إلى عدم التشاؤم مشروعاً، خصوصاً عندما ترى أنّ أحد الحلول يتمثّل في «ضرورة خربطة هذا النظام الإعلامي المحاط بالعديد من التشوّهات من داخله، ولا بدّ من حرف مساره نحو المسؤولية الاجتماعية عند كلّ مفصل».
لكن للمتفائلين، يمكن القول إن هذا الكتاب يسدّ نقصاً كبيراً في المكتبة العربية، كما يبشّر بانطلاق فريق بحثي شاب من طلاب الماستر في كلية الإعلام في الجامعة اللبنانية، كان اليد اليمنى لمؤلفة الكتاب وهو: سارة النجار، مايا جباعي، باسكال عازار، وليال ضو.