الجزائر | بعد إسدال الستار على فعاليات «أيام الفيلم الملتزم» في الجزائر العاصمة، و«مهرجان وهران للفيلم العربي»، تجدّد السجال حول غياب السينما الجزائرية عن هذه التظاهرات رغم الدعم الذي تقدّمه الدولة. ويتركّز الجدل حول مصير شريط «الأمير عبد القادر» الذي ما زال الكثير من الغموض يكتنف ظروف تأجيل تصويره.


وبين الفينة والأخرى، ينشغل الوسط الثقافي والسياسي الجزائري بحديثٍ عن منافسة حادّة بين جهات إنتاجيّة كبرى، للظفر بترخيصٍ لتصوير الشريط. ويتركّز الصراع بين شركات إنتاج سينمائية أميركية وفرنسية، وحتى سورية قيل إنّها تحاول ما بوسعها للفوز بالفيلم الذي يتناول شخصية مؤسس الدولة الجزائرية الأمير عبد القادر (1808 ـــ 1883). ويحتدم الصراع على الأمير ليس لحضوره الإنساني في تاريخ القرن التاسع عشر فحسب، بل لكونه أسهم في التنظير لحقوق الإنسان، والحوار بين الثقافات، إضافة إلى شخصيته الاستثنائية، وجمعه بين السياسة والأدب والفلسفة. كان الأمير عبد القادر عالم دين، وداهية حرب. قاوم الاستعمار الفرنسي وهو لم يتجاوز الرابعة والعشرين من عمره، وأبهر العالم طوال سبعة عشر عاماً من الجهاد، ببسالته وشجاعته. استلهمت من توجيهاته صياغة معاهدة جنيف حول معاملة الأسرى، واستنبطت من مواقفه الكثير من المواثيق دولية المتعلقة بالسلام، وحوار الحضارات، والتقارب بين الشعوب. وينبع اهتمام هوليوود بإنجاز فيلم عن الأمير الجزائري من كونه أحد أوائل الزعماء العرب الذين ربطتهم علاقات دبلوماسية مع الولايات المتحدة الأميركية. وتشهد على ذلك الرسائل المتبادلة بين عبد القادر الجزائري وابراهام لينكولن عام 1860. أمّا فرنسا فقد اعتبرته عدوّها الأول، إذ كبّدها الكثير من الهزائم طوال سبعة عشر عاماً من حروبه الشرسة ضدها... ولم يكن أسرها له عام 1847 انتصاراً، إذ دعا كبار المثقفين والقساوسة والبرلمانيين الفرنسيين إلى الإفراج عنه باعتباره شخصية استثنائية، وقيمة إنسانية خلّاقة. ونظراً إلى أهميته في تاريخ فرنسا نهاية القرن التاسع عشر، يتبارى المخرجون الفرنسيون على تناول سيرته في السينما.
وكانت الدراما السوريّة سبّاقة إلى تناول شخصيّته في مسلسلات عديدة، نظراً إلى دور صاحب كتاب «المواقف» في إنقاذ مسيحيي الشام من المذابح الطائفية عام 1860 خلال إقامته في دمشق التي اختارها منفىً له بسبب علاقته الروحية بالعلامة ابن عربي... وهناك توفي عام 1883، ونقل جثمانه إلى الجزائر عام 1966، ليدفن في المقبرة العليا. وإن كانت الجزائر المعنية الأولى بإنجاز فيلم تاريخي عن مؤسس دولتها الحديثة، إلا أنّ المشروع لا يزال محطّ جدل ونقاش على مستوى الهيئات العليا، حتى وصل صداه إلى الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة نفسه. ويقول نائب رئيس «مؤسسة الأمير عبد القادر الثقافية» عيد بن عمر لـ«الأخبار»: «في اجتماعه الأخير مع مجلس الحكومة، بلغنا أنّ بوتفليقة فتح ملف الفيلم، وسأل وزيرة الثقافة خليدة تومي عن مستجدات المشروع». السيناريو محور الجدل كتبه رئيس المجلس الدستوري السابق بوعلام بسايح، بعد تجربته الناجحة في إنجاز سيناريو الفيلم الشهير «الشيخ بوعمامة» (1985) للسينمائي بن عمر بختي الذي تناول مقاومة أحد كبار المجاهدين الجزائريين ضد الاستعمار الفرنسي في الجنوب الغربي الجزائري. «النصّ الذي قدّمه بوعلام بسايح عن شخصية الأمير عبد القادر لم يكن في المستوى المطلوب، خصوصاً أننا حريصون على أن يستجيب العمل للشروط والرؤية التي نحدّدها نحن، وليس وفق النظرة الغربية لشخصية الأمير»، يقول عيد بن عمر وهو أحد أحفاد الأمير عبد القادر لافتاً إلى أنّ «الممثلين والمخرجين الأجانب يشترطون ميزانيات ضخمة، لا تقلّ عن خمسة ملايين دولار قبل الانطلاق في تجسيد العمل فقط».
ويفسّر كثيرون سبب التأخّر في تصوير الفيلم بأنّ نهايته تثير امتعاض البعض... إذ إنّ مؤسس الجزائر الحديثة يضطر إلى الاستسلام، بعد مقاومة شرسة للاحتلال الفرنسي الذي مارس سياسة «الأرض المحروقة»، وخيانة بعض المقربين له، ومحاصرته على الحدود. هذه النهاية التي لم يحبّذها كثيرون، قد تكون دفعت إلى عرقلة مسيرة الفيلم الطبيعيّة. يجيب بن عمر: «هذا ليس صحيحاً. فلا جدال حول شخصية الأمير عبد القادر وشجاعته ونبوغ فكره وعبقريته التي أنصفها العدو قبل الصديق. وهناك كتب ومجلدات كتبها كبار المؤلفين والباحثين من مختلف دول العالم يشهدون فيها على عظمته».
في موازاة ذلك، قدّم الروائي واسيني الأعرج مؤلّفه «كتاب الأمير، مسالك أبواب الحديد» كمشروع سيناريو للفيلم المرتقب. صدر الكتاب بالتزامن مع تظاهرة «الجزائر عاصمة للثقافة الإسلامية» العام 2007، وضمن المشاريع الكبرى لتلك التظاهرة، طُرحت فكرة تحويله إلى فيلم، وأوكل إلى المنتج عبد العزيز طلبي مهمّة إدارة العمل. ورُشِّح يومها السينمائي البريطاني ريدلي سكوت لإنجاز الشريط، وإذا بالمشروع يتبخّر. ويقول صاحب «سيّدة المقام» لـ«الأخبار»: «لقد جهّزنا آنذاك لكلّ شيء، لنفاجأ بأنّ بعض المسؤوليين يطالبون المنتج بتضخيم الميزانية، ما أثار حفيظته. كذلك برزت تعقيدات شائكة في العقود والاتفاقيات، إضافةً إلى سوء التنسيق بين الأطراف الرسمية الموكل إليها متابعة المشروع، مما جعل الجميع يتيقن أن شخصية الأمير هي المستهدفة لا الفيلم». ويتذكّر واسيني الأعرج: «حدّثتني شخصية رسمية في الجزائر على هامش أحد الاجتماعات الخاصة بالفيلم، قائلةً إنّ ليس كل الناس يحبّون الأمير عبد القادر ويفتخرون به، وحينها فقط أدركت المؤامرة». واليوم، يُعاد طرح مشروع الفيلم ثانيةً بقوّة في المنابر الإعلامية الجزائرية، بالتزامن مع الزيارة الأخيرة للمخرج الأميركي أوليفر ستون. هذا الأخير كان ضيف شرف «أيام الفيلم الملتزم» التي احتضنتها الجزائر الشهر الماضي. وتسرّبت أخبار عن لقاءات جمعت مسؤولين جزائريين بصاحب «دابليو» للتشاور معه في إمكان إنجازه فيلم الأمير عبد القادر، ضمن المشاريع الكبرى لاحتفالية خمسين سنة على اندلاع الثورة الجزائرية (1954). وأوفدت الجزائر الرسميّة فريقاً إلى هوليوود للتباحث مع المخرجين والمنتجين وبعض النجوم الأميركيين في كيفيّة تنفيذ الإنتاج الضخم... حتّى أنّه تمّ تداول اسم الممثل الشهير جورج كلوني، بصفته مرشحاً بارزاً لأداء دور البطولة!
وفي لقاء أخير مع صحيفة «الخبر» الجزائرية، أكّدت وزيرة الثقافة خليدة تومي أنّ مفاوضات تجرى حالياً مع مخرجين ومنتجين عالميين من أجل إنتاج مشترك للفيلم. وبررت تأخّر التنفيذ بالرغبة في إنجاز فيلم ضخم، يليق بمقام الأمير والقيم التي دعا إليها. «لا نريد إنجاز فيلم لنشاهده نحن فقط، بل فيلماً عالمياً يشاهده الجميع، ويقدِّم صورة الجزائر في الخارج». العالميّة؟ لم لا؟ يبقى ألا تغرق سيرة الأمير الغنيّة في استعراض هوليوودي مسطّح ومشبوه.




على ضفاف بردى

في إطار ترميم بيوت دمشق القديمة وتأهيلها، تشرف «المفوضيّة الأوروبيّة» بالتعاون مع السلطات المحليّة السورية على تأهيل بيت الأمير عبد القادر الجزائري الواقع في ضاحية دمر (غرب دمشق). يقع مصيف الأمير على ضفاف بردى، وسط حديقة كبيرة من الأشجار. ويبلغ عمر القصر أكثر من قرن ونصف القرن، وقد سكنه الأمير عبد القادر وعائلته عام 1871.