رحل وليد عقل، وفضّل عبد الرحمن الباشا الظهور عبر المهرجانات اللبنانية («بعلبك» و«البستان»)، فيما ظل وليد حوراني (1948) يزورنا لتقديم أمسيات مستقلة وحيداً في هذا الثلاثي المؤسِّس للعزف الكلاسيكي على البيانو في لبنان. بعد أمسيتيْه في «الجامعة الأميركية» في بيروت و«الكسليك»، يعود حوراني إلى تلك الصالة الصغيرة في الكسليك بعد سنة على إطلالته الأخيرة، ليقدّم أمسية وحيدة تحت عنوانIntonation of The Heart.


برنامج الزيارة الماضية ضمّ أعمالاً لشوبان، وهايدن، وبيتهوفن، وألبينيز ورافيل. أي ما يغطي الفترة الممتدّة من العصر الكلاسيكي (النصف الثاني من القرن الثامن عشر) إلى مطلع القرن العشرين، كما أضاف وليد حوراني إلى هذا الريبرتوار «التقليدي» نوعاً ما، مقطوعة من تأليفه، مبنيّة على تحفة موسيقية قصيرة لزياد الرحباني، بعنوان «تحية إلى باخ» (غير منشورة ـــ تعود إلى أواسط تسعينيات القرن الماضي، راجع الإطار أدناه).
مساء اليوم، نحن على موعد مع برنامج جديد كلياً، يقدّمه وليد حوراني في القاعة التي تحمل اسم شيخ المؤلفين، يوهان سيباستيان باخ في مركز Seleteum des Arts et des Sciences (الكسليك/ شمال بيروت).
اختار العازف الستيني بضعة فالسات من عند فريدريك شوبان تعدّ من الأعمال الرائجة جداً حتى في أوساط جمهور الموسيقى الكلاسيكية غير المتخصّص. وأضاف إليها مجموعة مقطوعات من تأليفه بعنوان Miniatures (منمْنمات)، يكرّس نفسه من خلالها فناناً كلاسيكياً (ملماً بالجاز أيضاً) يوزّع إبداعه بين أداء القديم وخَلق الجديد. أكثر من ذلك، فإن تجربة التأليف عنده باتت مشروعاً أساسياً، وإن لم يكن مستجداً. بداياته كانت مع التأليف، لكنه لم يتخلَّ عن هذا الاتجاه يوماً، بل بات اليوم أكثر إصراراً على تكريس هذا الجانب من شخصيته. ويمكن القول إنّ التاريخ سينظر إلى وليد حوراني في المستقبل كمؤلف أولاً. في هذا المجال، فإنّ خلْق الجديد يؤمّن له حرية مطلقة في التعبير، وفرادة لا ينافسه فيها أحد. أما في مجال الأداء، فالمنافسة قاسية جداً مع وجود عشرات الأساطير في مجال العزف على البيانو، منذ نحو قرن لغاية اليوم، وإن تميّز حوراني عن زملائه في أداء أعمال غير مألوفة عموماً.
الجزء الأهم في البرنامج يكمن في عمل أثار إدراجه في الأمسية دهشة المتابعين الجدّيين للموسيقى الكلاسيكية تاريخاً وتسجيلات. إنها سوناتة البيانو الوحيدة (مصنّف 7) والمغمورة، للمؤلف النروجي الشهير (والأهم في بلاده) إدوارد غريغ (1843 ــــ 1907). الذين اهتموا تاريخياً بهذا العمل وسجلوه، يعدّون على أصابع اليد الواحدة (أقله من بين العازفين الكبار)، فيما قيمته الجمالية العالية لا تساعد على تبرير هذا التهميش. من المؤكد أن وجود ترسانة من الأعمال الفائقة الجمال من ذات الفئة، عملت في اتجاه إهمال سوناتة غريغ هذه. مع ذلك، نجد مثلاً أنّ العملاق الكندي غلان غولد (1932 ـــ 1982) سجّلها (!) مع العلم أنّه من الذين لا يقاربون عملاً إلا عن قناعة مطلقة بأهميته. غولد كان فريداً في تفكيره. ما يعجبه قد لا يعجب أحداً، والعكس صحيح. واختيار حوراني لهذا العمل يؤكد أنه أيضاً فريدٌ في علاقته بالموسيقى، ومستقلٌّ فنياً (وتجارياً) في اختيار ما يرضيه أولاً وأخيراً.
أخيراً، أدّى وليد حوراني مراراً أعمال بوغوص جلاليان، الذي تركنا الشهر الماضي، فهل يدرج في الأمسية تحيةً للمعلّم الراحل من خارج البرنامج؟

Intonation of heart: 8:30 من مساء اليوم ـــــ «قاعة يوهان سيباستيان باخ»، مركز Seleteum des Arts et des Sciences (الكسليك/ شمال بيروت) للاستعلام: 644987/ 09




تحية إلى باخ

ما أنجزه وليد حوراني في ما يتعلق بمقطوعة «تحية إلى باخ» لزياد الرحباني لا يندرج ـــ في لغة الكلاسيك ـــ تحت خانة التنويعات (Variations) وإلا لكان انطلق من اللحن الأساسي قبل التنويع (ما لم يفعله)، ولا في خانة التطوير. المقطوعة أتت عبارة عن Paraphrase، نشأت من وحي اللحن الأساسي، لكنها استقلت كليّاً عنه نغماً وروحاً، واستخدمته لتطعيم بنية موسيقية معقّدة، طاولت العصر الرومنطيقي، وما تلاه، مروراً ببدايات الجاز. باختصار، التقط زياد صورة لباخ في مقطوعته، بينما صوّر وليد المشهد الممتدّ من باخ حتى القرن العشرين، ملمّحاً في «المونتاج» إلى الصورة الأصلية