غلطة الشاطر بألف غلطة. هكذا حصل مع واحدة من أهم وأشهر وأثمن عازفات البيانو الكلاسيكي في العالم اليوم. بعد نجاحاتها المتتالية، سقطت إيلان غريمو في فخ عفريت الموسيقى في التاريخ... موزار. إيلان غريمو (1969) هي عازفة بيانو (ومربية ذئاب أيضاً) فرنسية، تعدّ الأبرز في جيلها ومجالها. قبل توقيعها العقد التاريخي مع الناشر الألماني «دويتشيه غراموفون»، قدّمت العديد من التسجيلات المهمّة عند أكثر من ناشر. سجّلت أعمالاً لشوبان، ورخمانينوف، وشومان، وبرامز، وبيتهوفن، وليسْت وبيرغ... وباخ أيضاً.


أنجزت في معظم المحطات إضافات ممتازة إلى تاريخ التسجيل في عالم الموسيقى الكلاسيكية. أبدعت في بيتهوفن، وقدّمت في باخ ــ حيث تسقط رؤوسٌ كبيرة ــ لزوم ما يلزم. نافست العمالقة في برامز وليسْت وشومان. ثم غازلت في تسجيلها ما قبل الأخير موزار من خلال أداء سوناتة واحدة (رقم 8)، وكانت المرة الأولى التي تتناول فيها عملاً للمؤلف النمساوي. حينها، لم تكن مقنعة في أدائها، ما أبقى الكتابة عنها، في هذا الجانب تحديداً، حذِرة وغير متحمّسة.
اليوم، جاء وقت تصفية الحسابات. في المرة الماضية، ذاب الفتور في أداء سوناتة موزار ضمن ألبوم حوى أداءً جيداً لأعمال مؤلفين عديدين (بارتوك، ليْست، بيرغ). أما اليوم، فألبوم غريمو الجديد مخصّص بالكامل للملاك الملعون، إذ اختارت العازفة الفرنسية عمليْن من فئة الكونشيرتو (رقم 19 و23)، إضافةً إلى عمل غنائي (تؤديه السوبرانو الألمانية الواعدة مويْكا إيردمان) لا يؤدي دوراً كبيراً، إيجاباً أو سلباً، في تقويم الإصدار عموماً.
عندما نقول أداءً رديئاً في الموسيقى الكلاسيكية، لا نقصد طبعاً أن العازف أخطأ النوتات، أو تعثّر في هذه الجملة أو تلك. ثمة طبقة تحليل أعمق لا علاقة لها بالتنفيذ الدقيق والخالي من أي شائبة؛ فذلك تحصيلٌ حاصل. المقصود أن الدخول إلى غرفة موزار، من باب فئة كونشرتو البيانو تحديداً، يتطلّب التخلي عن الكبرياء، وخلع قبعة الشهرة قبل طرق الباب، والانحناء قليلاً، ومعرفة أنّنا هنا لا لنتسلى ولا لنتعارك، بل للإدلاء بشهادة تقدير بسيطة، صادقة، غير مدّعية، غير ساعية إلى الإبهار، تعترف بعظمة هيكل كامل من الجمال، وكماله لا يحتمل أيّ إضافة، وإلّا فسينهار.
طبعاً ثمة مبالغة في الكلام قد تؤدي إلى طرح علامات استفهام حول قيمة إيلان غريمو. بالتأكيد، ليس هذا ما نقصده. في موزار، هناك من يصيب ومن لا يصيب. نادرون هم من أصابوا في هذا المجال تاريخياً. وكثرٌ من لم يصيبوا، وغريمو هي أفضل الخاسرين... وأجملهم!