ينتظر رائد وحش «أولمبياد القيامة» لترتيب شؤونه على نحوٍ مختلف، فتعلو النبرة الإيقاعية حيناً، وتنخفض في مطرحٍ آخر، تبعاً لقوة الجحيم. في كتابه «عندما لم تقع الحرب» (دار كاف/ عمّان)، ينهمك الشاعر الفلسطيني الشاب في استحضار مرجعيات تشحن نصّه بمشهديات يتخللها خراب شخصي، لا يجد فكاكاً منه إلا بالحرب. نص طويل مكتوب على وقع «الربيع العربي»، قوامه الترحال في تاريخ مثقل بالخيبات والهزائم والغربان. هكذا، يقتفي جحيم دانتي في وصف جحيمه الخاص. فالحرب وحدها هي الملاذ: «أين تقع الحرب لأجلبها مخفورةً؟». و«لا تمتلئ الشوارع بأحذية الموتى إلا كي يمشي الأحياء حفاةً إلى الحريّة».

شاعر أتى من فضاء الفايسبوك، يكتب عبارته ويمضي، ثم يمحوها في الغد، تبعاً لمزاج متبدّل،

تفرضه الصورة التلفزيونية، وحيثيات القتل اليومي، وهزائم الحبّ. «نحن جيل الحرب الإلكترونية/ نحن جيل الوهم، الضائع، الفاسقُ، المنسيُّ/ المنفيون إلى قارة فايسبوك/ نُخرج إله الحرب من سباته بزلزال الرسائل القصيرة». نحن إذاً إزاء نص زئبقي، مراوغ، يصعب فحصه بدقة، نظراً إلى حيرته بين الهتاف، والسرد اليومي العابر. نصّ ينهمك بالتقاط العبارة المتفلتة من ثقل ما قبلها وما بعدها، تحت وطأة هياج لغوي افتراضي، في المقام الأول.
مقاطع تتفاوت في قيمتها الشعرية، وقدرتها على النهوض بحمولة ما يرغبه صاحب «لا أحد يحلم كأحد»، لجهة الولع بالإيقاع من جهة، وتقشير العبارة من شعريتها من جهةٍ ثانية. إلى جانب استثمار عبارات من نوع «الشعب يريد»، واهتزاز الفكرة الراسخة، ها هو يستنجد بالسيّاب، وأمل دنقل، وكفافيس، وشكسبير، مرةً، لاستكمال المشهد، وينسف المعنى في مقطعٍ لاحق: «بعد هدوء أقلّ، يهبُّ الجنون، فنصير في زريبة/ تسقط الدولة مطعونةً بالثغاء»، يقول.
هذا الاشتغال على اليومي من موقع الحرب يضع رائد وحش أمام رهانات متفاوتة ليست في مصلحة نصّه على الدوام. ففي عتبةٍ ما، ستنزلق الكتابة إلى فضاء آخر، لا يتواءم مع مقترحه الأول، في توثيق يوميات الحرب، وبسطوة نصوص ملحمية، تعمل في مشغل شعري آخر، لكنّه سرعان ما يتجنّبها للاحتدام مجدداً بصخب اللحظة الساخنة. «بين البلطة والسكين، سال دمي قبل الذّبح/ من موتي، رأيتُ جمهورية الماعز تنتزع الاستقلال». سيخرج من هذا الجحيم بحكمة أخيرة. «بنينا الحياة بلا هندسة، أملاً بأن تهندسها السعادة، فهندستها حروب لم تقع».