في «جدل الاستشراق والعولمة» (الفارابي/ 2012)، ينطلق نديم نجدي من الإشكالية الآتية: ما الرابط بين الاستشراق والعولمة؟ يستهلّ الباحث والأكاديمي اللبناني كتابه بمدخل تمهيدي يضيء على مناهج المستشرقين التقليديين من جهة، وعلى علاقة الإنتاج الاستشراقي بحدود الجغرافيا التخيلية من جهة أخرى. لا يسعى الكاتب إلى تقديم دراسة تاريخية تتعقّب نشوء الاستشراق ومآلاته، بل يعمل على نقد النظرة الغربية للآخر، العربي والمسلم،


كمادة أوليّة أسعفت العولمة، أقلّه على مستوى الإنتاج المعرفي.
ورغم أنّ الاستشراق كموضوع ما عاد يستخدم الأدوات والمناهج نفسها بسبب ضُمُوره وتفرّعه إلى علوم جديدة يمكن وضعها تحت عنوان «أدبيات ما بعد الاستشراق»، إلّا أنّ نجدي يحاول تطويع الرؤى التقليديّة، بهدف تأكيد التعاقب النمطي بين طرفي المعادلة التي درسها. يجهد الكاتب في إظهار نقاط الالتقاء والوشائج المعرفية بين الاستشراق والعولمة. كذلك إنّ الأول لم يجد في الشرق إلا ذاك الفضاء البدائي المفعم بالهمجية والبداوة، فإنّ العولمة تجتاح الثقافات والقوميات لخلق بيئات قادرة على امتصاص الاستهلاك، بما يرافقه من تذرير للهويّات، واختراق لسيادة الدول، باسم الديموقراطية والإصلاح السياسي وحقوق الأقليات.
قبل سطوة الشركات المتعددة الجنسيات على العالم المعاصر، سيطرت على مفاصل الدراسات الاستشراقية ثنائية: غرب مسيحي متقدّم، شرق إسلامي متأخّر. وفي هذا السياق، يرى الكاتب أنّ التحوّلات العالمية أعادت رسم الجغرافية المعرفية، فأصبحت المحاكاة الاستعلائية تندفع من الشمال إلى الجنوب، أي من المركز إلى الأطراف. ويخلص نجدي إلى أنّ الصحوات الإثنية والدينية أتت كردّ فعل على القلق الهوياتي. وبهذا يبدو عالمنا مثقلاً بالتشنّجات، جراء الصدام الخفيّ بين المحلي والمعولم الذي يجتاز بدوره الحدود عبر وسائل الاتصال وتكنولوجيا المعلومات والأمركة. وهنا يلتقي الكاتب إلى حدّ ما مع الفكرة التي عالجها بنيامين باربر أستاذ العلوم السياسية في جامعة نيويورك؛ إذ رأى أنّ «العولمة الرأسمالية المفرغة من أيّ حسّ إنساني أو أخلاقي، مسؤولة عن ارتفاع وتيرة العنف، فأمركة العالم يرافقها الفقر واللامساواة، والشعور بأنّك ضحية السوق العالمية؛ فالرأسمالي العالمي لا ينظر إلى الإنسان إلا بصفته آلة استهلاكية، أو رقماً بين أرقام». ثمّة تساؤل مهمّ لم يتطرّق إليه صاحب «إضاءات نيتشوية» كفاية: هل تعكس عودة الهويات في زمن العولمة مأزق الاندماج، أم المطلوب الحفاظ على التعدديّة الثقافيّة؟ قد يسعفنا المفكر الكندي ويل كيمليكا الذي دعا إلى إعادة الوجه الإنساني لليبرالية، رغم أنّه ركّز جلّ دراساته في البحث عن تطوير العلاقة بين المواطنة والمجتمعات المتعدّدة الثقافات.
تحلّ العولمة اليوم محلّ الدين؛ هي بمثابة إله رقمي، يغوي الأفراد والجماعات في المجتمعات الأوروبية. ومكمن غوايتها، كما يلحظ الكاتب، يتمثّل في التماهي الاستهلاكي غير المسبوق، وفي تسليع الإنسان، واضمحلال القيم والأحلام. فهل انطفأت «الميتافيزيقيا» إلى الأبد؟ لعلّ ما تطرق إليه عالم الاجتماع الفرنسي إيمانويل تود في كتابه «اختراع أوروبا» يجيب جزئياً عن أزمة الأوروبيين، علماً بأنّ السؤال المطروح عالجه بإيجاز الراحل عدنان حب الله ومصطفى صفوان في كتابهما المشترك «إشكاليات المجتمع العربي ـــــ قراءة من منظور التحليل النفسي».
لا يختلف الاستشراق التقليدي عن العولمة، كما يؤكّد الكاتب. الامتداد البنيوي بين الطرفين يستمدّ جذوره من شروط تاريخية مع اختلاف الأدوات والمناهج. الأول نظر إلى الشرق المسلم من موقع الجمود والتخلف ــــ وهذا ما يسميه هشام جعيط سيكولوجيا الإسلام الجامد ــــ والثاني خرق ويخرق سيادة الدول تحت ذريعة الإصلاح الاقتصادي والسياسي.
إلى ماذا ستؤول العولمة بأدواتها الاقتصادية والسياسية والثقافية؟ لا يجازف صاحب «خفايا ساطعة» في استشراف الأزمنة القادمة. أفكار متداخلة عالجها نديم نجدي؛ إذ سعى إلى تفكيك الحدود المشتركة بين الاستشراق والاستعمار والعولمة التي تنهل جميعها من أرضية مشتركة. وقد استخدم نبرته النقدية لإجراء العديد من المقارنات بين أطراف هذه الثلاثية. إلّا أنّه لم يولِ اهتماماً كافياً لردود الثقافات والهويات والأصوليّات على الأحادية الأميركية التي تغزو عالمنا، في عصر التجاذب المحموم بين التعددية الثقافية والعولمة.