عبد الباري عطوان (1950) شخصية إشكالية بحقّ. خبراته الواردة في كتاب «وطن من كلمات ـــ رحلة لاجئ من المخيم إلى الصفحة الأولى» زاخرة بدروس السياسة والصحافة. مذكرات رئيس تحرير «القدس العربي» الصادرة بالإنكليزيّة عن «دار الساقي»، في لندن عام 2008، وصلت أخيراً إلى المكتبة العربيّة بجهد حسام الدين محمد الذي نقل النص في قالب سلس وممتع.


الإهداء نفسه يتصدر الطبعتين: «إلى أطفال المخيمات خصوصاً أولئك الذين يعيشون في مخيمات فلسطين والشتات». يسرد الصحافي المشاكس سيرته، متوغلاً في كواليس السياسة العربية. وتتكشّف تجربة عبد الباري عطوان الغنيّة من خلال الغوص في عقول القادة العرب وقلوبهم من جهة، والحديث عن المعاناة اليومية للشعوب العربية الفقيرة والمسحوقة من جهة أخرى.
نشأ الكاتب في مخيّم دير البلح الفلسطيني في قطاع غزة، وعمل في حقول مختلفة وبلدان عدة، ثمّ حصّل تعليمه في جامعات مصر خلال الحقبة الناصريّة، وبعدها جامعات لندن. أسلوب الكتاب أدبي وروائي. إلى جانب بعدها الإنساني، يكتسي البعد السياسي في هذه المذكرات أهميّة كبرى. لقد عاصر عبد الباري عطوان زعماء عرباً، أثّروا في تاريخ المنطقة، ومعظمهم غاب عن الساحة الآن، ومنهم ياسر عرفات، ومعمّر القذافي... إضافةً إلى مروره بعلاقته بأسامة بن لادن الذي زاره في جبال أفغانستان لإجراء لقاء صحافي.
وبما أن المشهد الليبي تغيّر كثيراً في الأشهر الماضية، من المفيد العودة إلى ما عايشه عطوان في ذاك البلد، حين كان تحت السطوة الكاملة لـ«العقيد». ويشير الكاتب إلى أنّ مقالة كتبها في منتصف السبعينيات عن شاه إيران في صحيفة «البلاغ» الليبية، لفتت أنظار القذافي. اتصل به حينها مسؤولٌ صحافي، أصبح مسؤولاً سياسياً لاحقاً (عبد الرحمن شلقم)، وعرض عليه العمل بأجر مغرٍ في صحيفة «الفجر الجديد» التي كانت المطبوعة المفضلة لدى القذافي. كان شلقم حينها رئيس تحريرها، قبل أن يصبح سفيراً فوزيراً للخارجية، ليستقيل في شباط (فبراير) 2011 وينضمّ إلى الثوار الليبيين (ص 162).
رفض الصحافي الشاب العرض يومها، لشعوره بأنّه لو فعل ذلك، لأصبح تحت مظلّة لا يرغب بالخضوع إلى إملاءاتها. وعن تدخّل نظام القذافي في حرية الصحافة ـــ شأنه شأن معظم القادة العرب ـــ يكتب عطوان: «اختُرقت الصحافة الليبية من عملاء الحكومة الذين كانوا يعيّنون أربابها بشكل مباشر من وزارة الإعلام، أو حتى من قبل القذافي نفسه». ويذكر في هذا المجال سفير ليبيا السابق في لندن محمد الزوّي، وكان وزير إعلام نظام الثورة القذافية. وقد حاول بعض عملاء النظام الليبي السابق دفع عطوان إلى التجسس على زملائه الصحافيين لاختبار مدى ولائهم للثورة، ما دفعه إلى مغادرة البلاد.
يستعرض عطوان أيضاً تجربته في مؤسسات صحافية مملوكة من دول الخليج أو مموّلة بشكل رئيسي منها... فوجئ في أحد الأيام بنقله من موقعه كمحرّر سياسي رئيسي في إحدى الصحف الخليجية الصادرة في لندن، إلى قسم الرياضة. وتبيّن له لاحقاً أنّ سبب ذلك ميوله القومية العربية والناصرية، في وقتٍ كان أحد أهداف الصحيفة تسويق سياسات أنور السادات المؤيدة للسلام مع إسرائيل (ص 176 ـــ 177). وبعد انتقاله إلى دفّة القيادة في صحيفة «القدس العربي»، وقراره مواجهة الأنظمة المتخاذلة، والمروّجة للسياسات الغربية، تعرّض لحملات تشهير واسعة. اتّهم في هذا السياق بأنّه طرد من عمله الصحافي في السعودية بسبب قضايا جنسية، وحُرم من الدفاع عن نفسه قانونياً في مواجهة تلك الحملة... كما رُفعت دعاوى ضدّه في بريطانيا بتهمة التشهير بأمراء عرب. وكانت الحملات الشخصيّة تتأجج، كلّما أثار قضايا شائكة، مثل انتقاده التدخل الأميركي في حرب العراق، وانتقاده نظام القذافي. ويقول عطوان إنّ الأنظمة العربية التقليدية لم تكن الجهة الوحيدة التي عملت على التشهير به، بل انضمّ إليها اللوبي اليهودي الإسرائيلي في بريطانيا وخارجها. وقد آثر الأخير تشويه صورة الصحافي الفلسطيني، واتهامه بالتطرف ودعم الإرهاب. «أحد الأصدقاء في محطة «بي. بي. سي» أبلغني أنّ السفارة الإسرائيلية في لندن كلّفت مجموعة من الباحثين بإجراء دراسة حول النفوذ العربي والإسلامي في وسائل الإعلام البريطانية، وخلصت هذه الدراسة إلى أنّ عبد الباري عطوان هو الأخطر على المصالح الإسرائيلية... لأنّه عفوي وصادق ومباشر، ولديه قدرة وموهبة غير عاديتين في التأثير على الرأي العام»، يكتب عطوان (ص 232). ويضيف أنّ السفارة الإسرائيلية منعت أي إسرائيلي من الظهور معه في أي برنامج تلفزيوني أو إذاعي حول الصراع العربي ــــ الإسرائيلي.
ولعلّ أهمّ ما ورد في «وطن من كلمات»، الفصل المخصص لسرد علاقة عطوان بالرئيس الراحل ياسر عرفات الذي كان يستشيره بشكل متواصل في الشؤون المهمة، ويبلغه بعض أسراره. ويكشف عطوان أنّ القائد الشهيد خليل الوزير (أبو جهاد) الذي اغتيل في تونس أبلغه، قبل مقتله بفترة قصيرة، رغبته في تأسيس صحيفة جديدة تدافع عن القضية الفلسطينية، على أن يتولّى عطوان إدارتها، ليكتشف لاحقاً أنّ عرفات كان وراء المشروع.
وفي مناسبة أخرى، فوجىء عطوان بانتخابه لعضوية المجلس الوطني الفلسطيني، في وقت لم يكن يعلم أنّه كان مرشحاً لهذا المنصب أساساً... ليكتشف لاحقاً أنّ أبا عمّار كانت له اليد الطولى في هذا التطوّر أيضاً. زعيم «منظّمة التحرير» دعاه لمرافقته إلى توقيع اتفاقيات أوسلو عام 1993 و1994، لكنّ عطوان رفض لمعارضته تلك الإتفاقيّة، كما رفض منصباً وزارياً عرضه عليه في تلك الفترة. ويؤكد عطوان أنّ عرفات مات مسموماً على «يد شخص من بطانته إما عن طريق المصافحة باليد أو من خلال إشعاعات سامة أو عبر وسائل تسميم أخرى» (ص 428).
في القسم الأخير من الكتاب، يتوقّف عطوان عند الزيارة التي قام بها مع عائلته إلى أسدود، قريته في فلسطين المحتلّة، بصفتهما مواطنين بريطانيين. يتوقّف عطوان عند بقايا مقهى، حدثّه عنه والده طويلاً، وإذا بمستوطن إسرائيلي مسلّح يطلب منه الإبتعاد. «هذه قريتنا وآثار أبي وأعمامي، أراها هناك»، قال عطوان. ردّ المستوطن: «هذا كان في الماضي». فيجيبه عطوان قائلاً: «لا... إنّه المستقبل». «وطن من كلمات ـــ رحلة لاجىء من المخيم إلى الصفحة الأولى»، كتاب غنيّ وجدانياً وسياسياً... ويمكن القول إنّ الوقائع الوادة فيه هي محاولة عبد الباري عطوان الخاصة لإعادة بناء وطنه المسلوب على صفحات التاريخ.