في كتابه «قصص وخواطر من أخلاقيّات علماء الدين»، يروي الكاتب البحريني عبد العظيم المهتدي البحراني المعتقل حالياً بسبب مشاركته في الثورة البحرينيّة، قصةً جرت على هامش حفلة أقامها المغني الإيرانيّ شهرام ناظري في قاعة «ألبرت هول» في لندن عام 1990. تزامناً مع الحفلة، كان المرجع الشيعي الراحل محمد فاضل اللنكراني يستعدّ لعمليّة قلب مفتوح في المدينة نفسها. اضطرب عندما عرف أن ناظري سيغني ليلة 19 رمضان، ذكرى إصابة الإمام علي بن أبي طالب بجرح أدى إلى استشهاده بعد يومين. في نهاية الأمسية، حوّل ناظري الحفلة إلى بكائيّة، وشفى اللنكراني بسرعة وصفها أطباؤه بـ«الخارجة عن القوانين الطبيّة». بغضّ النظر عن صحة هذه القصة، إلا أنّها تشير إلى صلب ارتباط العقائديّة الشيعيّة بالغناء.


ولد شهرام ناظري عام 1950 في كنف عائلة كرديّة تعيش في مدينة كرمنشاه (شمال إيران) المختلطة من كرد وأرمن وبهائيين ويهود. من هذه البيئة، أصدر أيضاً أسطوانته الجديدة «أمير كبير»، العمل الأخير في مسيرة خصبة أنتج خلالها ما يزيد على 40 عملاً بين تسجيل استوديو وحفلات في العالم.
إلى جانب محمد رضا شجريان، وحسين عليزاده، أسهم ناظري في إعادة إنتاج المدرسة الموسيقيّة الإيرانيّة، وتصديرها مرة أخرى كنتاج حضاري معاصر يتفلّت من قمقم حرّاس التراث والتاريخ، ونقلها إلى بعد آخر علمانيّ، يُعنى بالإنسان الأمميّ بعيداً عن النزعات الأيديولوجيّة. منذ صغره، ظهرت ميوله الموسيقية للتراث الإيرانيّ. والدته التي كانت تتمتع بصوت جميل كما قال مرةً، تولّت مهمة تعريفه إلى روّاد الموسيقى في ذلك الوقت أمثال عبد الله دوامي، والرادود الإيرانيّ الشهير محمود كريمي. ظهوره الأول على التلفزيون الرسمي جاء في سنّ الحادية عشرة ضمن أحد برامج الهواة.
في ذلك الوقت، وضمن التحوّلات السياسيّة التي شهدتها إيران، كانت العودة إلى التراث الموسيقيّ ردّة حضاريّة في عهد الشاه في زمن شهد طفرة موسيقيّة متحرّرة من التراث. حينئذٍ، احتضنت مدينة شيراز «مهرجان شيراز للفنون» بين سنوات 1967ــــ 1977، واجتذبت رموز الموسيقى التجريبيّة مثل جون كايج، واليوناني إيانيس كزيناكيس. لكن بعد الثورة عام 1979، اضطر ناظري للنضال على جبهة أخرى: النزعة اليمينيّة ضد تدويل التراث والعبث به، خصوصاً أنّه كان أول من غنّى قصائد جلال الدين الرومي، وعبث بالقوالب الجاهزة ليضيف إليها قوالب موسيقيّة كرديّة وأذريّة، مع إضافة آلات غربيّة إلى هذا المشهد.
كان «أسد الغناء الإيراني» يحارب لاستعادة الهويّة التي تخبّطت بين نظامين، أحدهما كان يرى التراث طقساً رجعيّاً، والثاني يراقب الأعمال التي تدّعي نفساً تحرريّاً، مانعاً أعمالاً عدة مغنّاة للشاهنامه.
على هاتين الجبهتين، وقف أسدنا بشاربه الكثّ، وقدّم للموسيقى الكلاسيكيّة الإيرانيّة عملاً أنقذها من تخبّطها. في عام 1984، أصدر أسطوانة «كل صدبرك» (الوردة ذات المئة بتلة) مع جلال ذو الفنون، وبيجان كمكار، ورضا قاسمي. اعتبرت الأسطوانة عملاً مفصليّاً في تاريخ الموسيقى الإيرانيّة المعاصرة. في هذا العمل، أعاد ناظري الاعتبار إلى آلتي السيتار والدف (بدلاً من التمبك)، باستعمالهما في الاسطوانة من دون أي آلات أخرى. جاء العمل مكتملاً موسيقيّاً، مع الاستعانة بالمقامات الكرديّة مثل «الرديف» الشبيه بالموشّحات الأندلسيّة المقفّاة، وغناء قصائد جلال الدين الرومي وحافظ والعطّار بصوت ناظري المتفلّت الذي يزأر طرباً ووجعاً.
يروي مهرداد ترابي، أحد أشهر معلّمي السيتار وعازفيه، أنّ نتيجة هذا العمل كانت بتدفّق الآلاف من الشباب لتعلّم العزف على آلة السيتار، لتصبح أغنية «خطوة بخطوة» لازمة أساسيّة يختتم فيها كل حفلاته بطلب من الجمهور.
لا يزال ناظري مفتوناً بتجربته، مورثاً هذه الفتنة إلى ابنه حافظ الذي سمّاه تيمنّاً بالشاعر الشهير. وقد اصطحبه في جولات موسيقيّة من طوكيو إلى أميركا، ومغنيّاً في موطنه أمام 140 ألف متفرّج. هكذا، حصل على عدة جوائز دوليّة مثل وسام الفارس الفرنسيّ ولقب «أفضل مغنٍ صوفي» من وزير الثقافة الإيرانيّ.
ومع مواصلة رحلة الغوص في التراث الإيرانيّ، ها هو يصدر أسطوانته الأخيرة، معنوناً إياها بقصيدة للشاعر الشهير فريدون مشيري في رثاء رئيس الوزراء في عهد الشاه ناصر الدين شاه قاجار «أمير كبير»، أحد أشهر السياسيين الإيرانيين. وهي إشارة سياسيّة بحد ذاتها. إذ يعتبر أمير كبير أحد أوائل الإصلاحيين السياسيين الذين شهدتهم إيران. يعود ناظري إلى التراث ليأتي بما يؤكّد وحدة الإيرانيين، وتوقهم إلى المبيت في أغنية أو قصيدة واحدة من دون نزاعات طائفيّة أو إثنيّة أو سياسيّة. أما نحن، غير الناطقين بالفارسيّة، فيمنحنا صوتاً شرساً لعالمنا المزيّن ـــ زيفاً ـــ بالاطمئنان.




التراث الكردي

تحتوي «أمير كبير» على 6 مقطوعات و6 أغنيات، منها اثنتان من قصائد الشاعر الشهير فريدون مشيري «متجذّر في التراب»، و«أمير كبير» والباقي لعارف قزويني، وجلال الدين الرومي، وهوشنك ابتهاج، وقصيدة من التراث الكرديّ. الهيكل الموسيقيّ للاسطوانة لا يخرج عن الجوّ التقليدي الذي حافظ عليه ناظري في أعماله، حتى عندما غنى أمام أوركسترا كاملة. إذ يفرد نصف الاسطوانة للمقطوعات البحت بالكمنجة الإيرانيّة والسنتور والباربات (الشبيه بالعود).