قطعت النظرة إلى جمال الجسد دروباً طويلة كي تصل إلى قوانين جديدة تتحكم في مقاييس الجمال، فما كان يقينياً في ثقافة القرن السادس عشر وما تلاه، بات اليوم من مخلّفات تلك العصور. لم يعد القالب هو نفسه. اللوحات التي رسمها فنانو عصر النهضة، هي إحدى المرجعيات الأساسية التي اعتمدها المفكر جورج فيغاريلّو (1941) في معاينة القيم الجمالية وتحولاتها، مروراً بكلاسيكيات الأدب، ومرويّات الرحّالة، والفوتوغرافيا والسينما. كتابه «تاريخ الجمال: الجسد وفن التزيين من عصر النهضة إلى يومنا هذا» (المنظمة العربية للترجمة ــــــ توزيع «مركز دراسات الوحدة العربية» ــ ترجمة جمال شحيّد)، مرآة ضخمة تعكس تحولات النظرة إلى الجمال ضمن مشهديات جسدية متباينة تُلخص تاريخ المجتمعات وثقافتها.


تراجعت صورة «فينوس» رمز الجمال الإلهي المكتمل، أمام جمالية الجسد المحسوس والنسبي في القرن الثامن عشر، ثم حصل تطوّر لافت في القرن التاسع عشر لمصلحة الجمال الرومانسي، عبر استعمال وسائل الزينة (الماكياج)، وإبراز أهمية الجاذبية والجمال الجوّاني. هكذا انزلقت النظرة إلى «تحت»، بعدما اعتنى منظرو الجمال طويلاً بالجزء العلوي من الجسد بتأثير كتابات إميل زولا، وبلزاك، والكسندر دوما، كما أسهمت المجلات المصوّرة ولوحات كبار الرسّامين، في نهاية القرن التاسع عشر في تشجيع «التشمير والكشف والشفافية والعري الجريء».
المنعطف الحاسم أتى مع القرن العشرين، إذ شهد تحولات جذرية في معنى الجمال لجهة الفتنة والإغراء. كانت الممثلة السويدية غريتا غاربو صورة للمرأة العصرية، التي بشّرت بها السينما الهوليودية. امرأة تدخّن وتقود سيارتها بحركات انسيابية جذّابة.
يعتني صاحب «الجسد المصحَّح» بتاريخ ابتكار الجمال، وكيفية تحرر الجسد من الرقابة الصارمة، قطعةً، قطعة، من الوجه إلى الصدر والخصر، إلى الساقين. وتالياً، فإن تاريخ الجمال ـــ كما يراه فيغاريلو ـــ هو «تاريخ الأشكال والهيئات والتعابير والملامح، أو التنقيح وإعادة الرسم». بدأ الجمال المؤنث كجمال خاضع ومراقب ومحتشم، إلى أن أطاحت النظرة المختلسة الخفي والمستتر من الجسد، فتعقّد نظام المظهر الخارجي بتشكيل المجتمع المديني، وظهر الجمال الصارم والمتغيّر واليومي، وانفتح الطريق نهائياً أمام تعبيرات الجسد.
هكذا أدّى المسرح دوراً حيوياً في إبراز الجمال المكشوف (كانت الممثلة أرماند بيجار زوجة موليير أول من أطلق موضة الثياب الضيّقة، مما صبّ عليها لعنات المجتمع المحافظ)، لكنّ هذه الصورة ستبدو نمطية محضاً حيال «التشبيكات والالتواءات» بين القسم العلوي والقسم السفلي للجسد الأنثوي في مراحل لاحقة، وذلك من خلال التنديد بالأشكال الإكراهية لوظائف الجسد المثقل بالمشدّات والتكلّف والأعراف الأرستقراطية. هكذا، بدا الجسد أكثر تحرراً وانعتاقاً وجاذبية، واقتناصاً لهوية فردية تعبّر عن الألفة والحميميّة. باختراع أحمر الشفاه في أواخر القرن الثامن عشر، ودكاكين الروائح، ومستحضرات التجميل، دخلت الفتنة الأنثوية عتبة حسيّة جديدة من خلال انتشار ثقافة الاستهلاك. وكان على القرن التاسع عشر أن يسوّق لثقافة «الجمال المشتهى» كما بشّرت به نساء التشكيلي الرومانطيقي أوجين دولاكروا (1798 ـــ 1863) وهنّ يحملقن بالغبش. نحن هنا إزاء ترسيمات جمالية أكثر حضوراً وفتنة: الصدر البارز والأكتاف المستقيمة والبطون الضامرة، والقوام الممشوق. هذا ما نجده بجلاء في صورة مدام دو رينال، عشيقة جوليان سوريل بطل «الأحمر والأسود»، التي وصفها ستاندال في روايته كنموذج للجمال الباريسي: امرأة هوائية وواثقة، أثارت الغيرة الريفية، وأبرزت بريق المدينة، والتأرجح بين الخفة والثقل «تفتخر بساقيها كما يفتخر الجندي بسيفه». وبزغ الاهتمام على نحو ملحوظ بالجمال الذكوري بتخلي الرجل عن جبروته، وميله إلى التأنق كنوع من إعادة النظر في الجلافة، والجمع بين الحزم والهشاشة، والتبجح بالعضلات
المفتولة.
هذا الوجود الجديد للجسد تقاطع مع ظاهرة أخرى تكشفت في نهاية هذا القرن، هي «ظاهرة الحرية الممنوحة للرغبة، وانتشار الجمال الشبقي للمرأة التي «تبتسم بساقيها وتتكلم بأعلى جسدها» حسب وصف إميل زولا. وواكب هذه الموجة ظهور ملابس البحر، و«الفن العاري»، متحديّاً «اللياقات والأحكام المسبقة» ليتكشّف الجسد تدريجاً مع اختراع المرآة الطولية التي اخترقت الفضاءات الحميمية، و«صار الجسد العاري يراقب نفسه ويتفحصّ التفاصيل من أسفل الجسد إلى أعلاه».
يطلق جورج فيغاريلو وصف «الجمال المدمقرط» على القرن العشرين. القرن الذي انفتح على تبدّلات حاسمة في النظرة إلى الجمال، إذ حصل انقلاب كبير طرأ على هيئة الجسم «انبهار مفتون ومسيطر عليه في آن واحد» وفقاً لما يقوله مارسيل بروست في «البحث عن الزمن المفقود». عصر الحداثة أضفى قدّاً ممشوقاً، تضافرت فيه الاستطالات الشاقولية في صورة الجسد، مما غيّر في المعايير لجهة قصة الشعر والسيقان المكشوفة، والتبرّج الحاد «فالقد العصري لا يغفر الخطأ».
من جهتها، فرضت السينما تصوراتها للجمال، إذ تلاعبت بالأجساد وبالإضاءة وبالشاشة وبحواسّ المشاهد، دافعةً بأجسام بطلاتها الرشيقات إلى أن يصبحن «رسولات للجمال». هكذا انتقل الوهم إلى حدود الحلم، وأصبح الشعر الأشقر الفاتح تجسيداً للمرأة العصرية، كما انتشرت جمالية «الجاذبية الجنسية» المعبّر عنها بالصوت والالتفاتة والحركة. هكذا حرّكت النجمات الخيال على تصوّر «جسد طيّع ومصقول نتيجة عمل حثيث»، استكملته نجمات ما بعد الحرب العالمية الثانية بصورة أخرى، تتمثل في الشهوة المطلقة: مفاتن ثديي الممثلة الإيطالية جينا لولو بريجيدا، وشفتي صوفيا لورين، والمشية الآسرة لمارلين مونرو، والحركات المتمردة والفانتازيا الشخصية المتفجّرة لبريجيت باردو... فقد كان ما هو مهم في هذا السياق هو إضفاء الطابع الشبقي والجمال المستفز، والاستعارات الغريزية، ما فتح ثغراً في القلاع الذكرية، ومثّل انقلاباً في العلاقة بين الجنسين، وفرض نسوية جديدة متجاوزةً المساواة النظرية لمصلحة إشكالية الفرد و«الانتعاش الشخصي»، وتحقيق الذات، بما ينسجم مع الديناميات الاجتماعية الكبرى، ومع القطيعة الثقافية.