على عكس غزارة «أدب السجون» في مصر وسوريا وفلسطين والمغرب، بقيت الكتابات المماثلة قليلة في الخليج. في باكورته الروائية «الله بعد العاشرة ـــ رواية سجين متقاعد» (دار الريس)، يسرد الشاعر والكاتب البحريني علي الجلاوي (1975) سيرة سجون البحرين في التسعينيات. إنّها حكاية جرح مفتوح، تجعلنا نفهم أسباب ثورة الشعب البحريني منذ الاستقلال عن بريطانيا، حتى اليوم. الرواية أقرب إلى سيرة ذاتية للجلاوي، يبتعد فيها عن السرد المباشر. نبرة الرواية ساخرة حدّ الانفلات. الله حاضر دوماً على لسان رجال التحقيق، ورجال الدين، وكل من لديه شيءٌ يخفيه تحت عباءته. تتميّز فصول العمل بالقصر، تحيل على تجربة علي الجلاوي الشعرية التي تعتمد على الاختزال والتكثيف. يبدأ الجلاوي السيرة سائلاً: «هل كنت أحب الله؟». سؤال أخرجه من السجن الإيديولوجي، قبل سجون النظام التي دخلها صبياً في السابعة عشرة، بسبب قصيدة انتقد فيها النظام البحريني. ثمّ اعتقل مرّة أخرى في أحداث عام 1995، إثر قيام حركة احتجاج شعبية مطالبة بالإصلاح. وعاد أخيراً مشروع سجين سياسي ولاجىء في ألمانيا بعد قصيدته الشهيرة التي ألقاها في دوار اللؤلؤة مهاجماً فيها النظام.


المحقّق والجلاد في الرواية له اسم واحد: عادل. يحبّ هذا الأخير أن يؤدي دور الله بعد الساعة العاشرة. «أخذ القلم وكتب على ورقة صغيرة كلمة الله، رفعها ليريني إياها، قائلاً ما هذا؟ تحرك رأسي إشارة إلى فهم الكلمة، ثمّ وضعها في الدرج، وهو يقول: أين الله الآن؟ الله في الدرج وأنا هنا الآن. ثم سألني: هل تعرف من أنا؟ لم أجد جواباً أيضاً. لم أعرف إن كان هو الله، أو أحداً آخر في دوره».
المفارقة الساخرة جعلت العلاقة جدليّة بين الجلاوي، والمحقّق عادل، والله الحاضر في كل مكان في الرواية. لم يدخل الجلاوي إلى السجن بتهمة واضحة. يسرد هنا وقائع حقيقيّة عايشها، وعاشها أشخاص شاركوه تجربة مرّة يستعيدها البحرين هذه الأيام بعد الثورة الأخيرة، وهجمة النظام على المتظاهرين، قتلاً وسجناً وتنكيلاً. نستعيد مع الجلاوي قصص التنكيل والتعذيب في سجون «القلعة، والحوض الجاف، وجزيرة أم النعسان، وجدة»، وهي قصص تدخل كلّ بيت في الجزيرة الصغيرة. المؤامرة لقلب نظام الحكم، أصبحت تهمة الأطفال، والشباب، والنساء، والشيوخ في البحرين... اكتب قصيدة ضد النظام مرة، تظاهر مرة، طالب بحقوقك، كن معارضاً ضد أقليّة قبليّة ظالمة، وستدخل سجوناً يتحدث عنها الناس كما يتحدثون عن حكايات البحر والغوص للبحث عن اللؤلؤ.
يخبرنا صاحب «دلمونيات» عن مرتزقة النظام ممن التقاهم في السجن، ومنهم الباكستاني، والأردني، والسوري. في رأيه، هؤلاء ضحيّة أيضاً، ضحيّة الفقر، وضحيّة المال الذي يشتري به النظام الملكي جلاديه من وراء البحر. البحر الذي لا يراه الجلاوي من السجن، لكنّه يصفه لنا في كل جزء من روايته الصغيرة. أسئلة عن الوجود، والدين، والحياة تمر تحت قدميه في الزنزانة. «نعم أحب الله... غير أن الله الذي يخصني يختلف قليلاً أو كثيراً عن الذي هو لكم... لم يعد (الله) جلاداً يضع السلاسل في أعناقنا»، يجيبه في أحد الفصول علي النورس السجين الذي لا يستطيع التحليق.