القاهرة | في عام 2008 كتب مصطفى الحسيني مقالةً عن أسباب الخلاف بين حركتي «حماس» و«فتح» لصحيفة يسارية كانت تحظى باحترام النخبة المصرية، هي صحيفة «البديل». وقد ظهر تعريف إلى جانب اسمه قدّمه إلى القراء بصفته كاتباً فلسطينياً. في العدد التالي، اعتذرت الجريدة عن خطأ، لم يكن مقصوداً بطبيعة الحال. لم يكن الحسيني الذي رحل أول من أمس عن 77 عاماً، ليلتفت إلى ما حصل لولا أنّ ذلك كشف ثمن غربة طويلة عاشها، هو الذي اختار منذ شبابه أن يفكّر في نفسه كـ«مواطن عالمي»، وكاتب «عولمي» قبل أن تصنع العولمة أقفاصها الناعمة.


تماشياً مع هذه القناعات، عاش هذا الصحافي في عواصم عدة، من بينها موسكو، وواشنطن. وظلت بيروت محطته الحقيقية. عاش فيها سنوات طويلة، كتب خلالها في صحيفة «السفير» منذ بداياتها. ولم ينجح في مغادرة بيروت تماماً، حتى عندما حاول ذلك قبل ثلاث سنوات. يومها عاد إلى القاهرة على أمل قضاء سنوات شيخوخة هادئة. إلا أن طبعه وروحه المتوثّبة للعمل، لم يتيحا له فرصة التآلف مع كل التطورات. هكذا هرب من تلوّث القاهرة إلى الإسكندرية، فلم يتقبل التحولات التي أنهت تماماً سمات هذه المدينة الكوزموبوليتانية.
في بيروت، صنع الحسيني المسافة التي مكّنته من النظر إلى مصر. تابع صعود الأحلام القومية وهبوطها، إلى أن وصل في السنوات الأخيرة إلى إطلاق وصف معبّر عما جرى، وجعله عنواناً لكتابه الأخير هو «مصر على حافة المجهول».
تلخِّص رحلة الحسيني في عالم الكتابة، هموم جيل كان محظوظاً في المناخ الذي صاغ أولوياته. وقد كان من الشباب الذين التحقوا بالتنظيمات اليسارية في الخمسينيات، ودخلوا المعتقلات الناصرية، وتولّوا مهمة إعداد كوادر سياسية من بينها صنع الله إبراهيم. ولم تكن كتابات صاحب «إذا مات الموت» عاجزة عن مراجعة أفكار جيله والفصيل السياسي الذي انتمى إليه، فالكثير مما كتبه اتسم بروح نقدية وشجاعة لم تعبأ بالثمن.
وعلى الصعيد المهني والشخصي، اعتز الحسيني بالفترات التي عمل فيها مع كتاّب الجيل الذهبي لمؤسسة «روز اليوسف»، التي بدأ فيها خطواته المهنية. تتلمذ على يد إحسان عبد القدوس وأحمد بهاء الدين، كما عمل في صحيفة «الجمهورية»، التي أسستها ثورة يوليو، وسعت فيها إلى استيعاب اليساريين للتعبير عن بعض التوجهات التقدمية للنظام الناصري. غير أن الحسيني ما لبث أن عاد إلى «روز اليوسف»، التي كانت ذات نزعة يسارية ومصنعاً كبيراً للمواهب، تخرّجت منها أقلام كبيرة منها يوسف إدريس، وصلاح حافظ، ومصطفى محمود، وصبري موسى، وصلاح عبد الصبور، ورجاء النقاش، وأحمد عبد المعطي حجازي، إضافة الى كتيبة من الرسامين جعلت من كل هؤلاء «رفاق سلاح» بتعبير رسام الكاريكاتور الراحل بهجت عثمان، لأنهم عدّوا كتاباتهم سلاحاً في معركة التقدم.
وإلى جوار هؤلاء، لمع الحسيني كمتخصص في الشؤون العربية، ولا سيما الشأن الفلسطيني، مرتبطاً بـ«منظمة التحرير الفلسطينية» منذ تأسيسها. من المؤسف أنه لم يكتب سيرة ذاتية تكشف خلفيات هذا الارتباط، مكتفياً بمقالات قرأت ما يجري في الملف الفلسطيني بطريقة مغايرة سبقت قراءات الآخرين بخطوة، لكن هذه الكتابات التي نشرت على صفحات مجلة «الهلال» خلال الثمانينيات والتسعينيات، قابلها الكثير من النقد.
باكراً جداً انتبه الحسيني المترجِم، إلى كتابات نوام تشومسكي، وسعى إلى نشرها، كما خطّط للعمل على ترجمة أعمال الروائي الأميركي غور فيدال المعارض لسياسات اليمين الأميركي. قناعات كثيرة قادت وعي الحسيني ككاتب، التي أكدها في كتابه «إذا مات الموت» («رياض الريس» ــ 2004). يمكن اعتبار هذا الكتاب بمثابة شهادة ذاتية في مواضيع تلخّص انشغالاته التقدمية مثل المعلوماتية، والعولمة الثقافية، وتفرّق بينها وبين العولمة الاقتصادية، كما تنبه إلى مخاطر التلوث التي لم ير الحسيني أنها تقع في «باب الترف» لتجنبها. وفي المقابل، أظهر في سنواته المصرية الأخيرة انشغالاً دقيقاً بما كان يجري على الساحة السياسية حتى إنه شارك رغم شيخوخته في المراحل الأولى من «ثورة 25 يناير». وكان دائماً في ميدان التحرير برفقة ابنه هاني، الناشط في «جماعة 9 مارس» (تناضل من أجل إصلاح واستقلال الجامعات المصري) أو ابنته بسمة مديرة «المورد الثقافي». وجاءت هذه المشاركة بمثابة طرق أبواب للأمل لم تكن خافية في كتابه الأخير «مصر على حافة المجهول» الذي نشره قبل أيام من الثورة. ويرصد الكتاب مظاهر الخراب في مصر، وصور انهيار الدولة. وتوقّع باكراً أفول نجم جمال مبارك، لكنه في المقابل أعاد طرح أسئلة عن «فراغ السلطة» قبل اندلاع الثورة. وصاغ في الكتاب تعبيراً دالاً هو «زمان الصخب» يصعب فيه التمييز بين الحديث والصياح.