وهو في سكراته، مطلّاً على النيل من غرفة العناية المركّزة، معانداً مرضاً افترس جسده الأسمر النحيل، تمنّى مصطفى الحسيني لو أنّه لم يحطّ رحاله في هذه الغرفة الكئيبة... لو قيّض لكاتب الرأي والمحلّل الصحافيّ ـــــ المصريّ المولد الكونيّ الهوى ـــــ أن يختار مهوىً لفوائده وقلمه، لقال «ردّوني إلى مدني الأثيرة؛ إلى بيروت التي أحبّ وسكون بيتي في عاليه المشرف على صخبها. وإن تعذّر فإلى واحدة من حواضر الرفاه الفكريّ، إلى لندن أو واشنطن، كي أكتب ما أراه، ولو بدا لكثيرين ناشزاً معادياً للشعار والموجات». قبل سنوات، غادر من استوطن صفحات «السفير» بيروت، آيباً إلى قاهرة آلمه ما آلت إليه بعد سنوات من الصرم. أفلم يغادرها في شرخ شبابه إثر أشهر قاسية قضاها في سجون الناصريّة؟ أفلم يترك بلا ندم منصباً مرموقاً في مجلّة «روز اليوسف»، حاضنة اليسار آنذاك؟


عاد إلى إيثاكته بعد سنوات من الترحال الفلسفي والروحي. مثله مثل الفلسطيني الذي أحبّ، لم ترو البلاد البليدة الظالمة ظمأه لجرعة من التعقّل والعدل. هام على وجهه متفكّراً بفلسطين التي قرأ على نيّة خلاصها وخلاصنا مئات الكتب غير مدّخرٍ نصائحه حين كان أصحاب القرار الفلسطيني يستشيرونه ـــــ وكثيراً ما فعلوا ـــــ لكن عبثاً.
على نقيض من أمسكوا بزمام بلادنا خمسيناً من الزمن، يتذكّر الصحافي المثابر تواريخنا بأدقّ التفاصيل. ذاكرته سلاحه الممضّ، أمّا موسوعيّته فمن يجرؤ على منازلتها؟ يصغي ثم يصغي: أحبّ الراديو بإذاعاته الإخباريّة الجادّة، ونفر من التلفزيون. ولمّا اكتشف الحاسوب، تعلّق بشاشته تعلّق الأنيس بالأنيس. أفلم يكن الحسينيّ «غوغلنا» قبل أن تصبح الغوغلة خبزنا اليومي؟
يغادرنا مصطفى الحسيني. فجأة نتنبّه أنّ «شاردة واردة» ـــــ عنوان عموده المحبّب المحتجب منذ حين ـــــ قد أسدل عليه الستار. الصحافيّ المؤنس، لم يقل كلماته كلّها. تقدّم مصطفى الحسيني، بيد أنّه لم يهرم مورِّثنا سؤاله الأساس: هل الحرب بل قل الحروب سبيلنا الوحيد؟ سيرته تقول أن لا. فليرقد بسلام ووفاء الأصدقاء يدثّره.
* كاتبة وناشرة «دار الجديد»