تبدأ الحكايّة من مرشدة سياحية صهيونية سليلة «الصابرا» كما تصف ذاتها «تعشق البلدة القديمة وأهلها» كما تقول، أوصلتها الأقدار إلى تجمع «للنَّور» في البلدة القديمة في القدس. دخلت بيوتهم، ففُطِرَ قلبها الاستعماري المرهف لعذابات المقهورين: الاكتظاظ، التسرب من المدارس، الفقر، الإدمان... عادت إلى بيتها ولم تنم ليلتين لمعاناة «النّور» في المدينة التي تحب كما تقول. وكي تكتمل عناصر الرواية الاستعمارية التي يؤدي بطولتها المستعمِر والمستعمَر معاً، كان لا بد للأنثروبولوجيا ـــــ ذاك الحقل المعرفي الذي ولد تاريخياً في حضن الاستعمار ـــــ أن تتقاسم دور البطولة.


وبهذا يصبح عندنا رواية أبطالها عوفرة رجيف المرشدة السياحية، ومختار «النّور» سليم، ونجه بوبر بن دافيد الباحثة الأنثروبولوجيّة في الجامعة العبرية. وبهذا اكتملت عناصر حبكة استعمارية تقليدية: مجموعة عرقية مضطهدة من الأغلبية (الفلسطينية في هذه الحالة) ومستعمِر مُخَلِّص يسترشد بالأنثروبولوجيا ليتعرّف إلى المجتمعات المُستهدفة لعقلنة تدخلاته الاستعماريّة. وكفاتحة تقليدية، تبدأ الأنثروبولوجيا الاستعماريّة بسؤال الهوية، فتفكك «الأسطورة» المؤسسة لهوية «النَّور» في القدس القديمة. فـ«النّور»، كما يرْوُون هم، يرجعون في النسب إلى بني مُرّة الذين تشتتوا في الأرض بعد حرب البسوس، ليصلوا إلى القدس محاربين في جيش صلاح الدين الأيوبي الذي أطلق عليهم اسم «النّور» المشتق من النور كما يقول «الإخباري» سليم مختار «النّور». تدحض باحثة الأنثروبولوجيا هذه الروايات وتسميها «أساطير»، وتعلم سليم بأنّ أصول «نور» القدس يعود إلى قبائل سكنت شمال الهند، ثم هاجر قسم منها إلى أوروبا والآخر إلى «الشرق الأوسط».
بعد هندسة الهويّة، يصبح المستعمِر جاهزاً لرضاعة الحليب الاستعماري وتبقى المهمة المُعَلّقة هي البحث عن أحد «أثداء الدولة» ليلتقم أحدها ليرضع ويغفو في الحضن الاستعماري الدافئ. وفي حالة «نور» البلدة القديمة، كانت أثداء ثلاثة: «بلدية القدس»، ووزارة الرفاه الاجتماعي ووزارة المعارف. بعد ثلاث سنوات ونصف من بداية تأهيل «النَّور» في القدس، تشعر المرشدة السياحية «براحة الضمير» كما تقول. أما الأنثروبولوجيّة فهي متفائلة بمستقبل المجموعة العرقيّة التي تبلورت هويتها. أما سليم فيقول: «نحن الآن نور الدولة». هذه ليست قصة من نسيج الخيال، بل توصيف واقعي لأحد مشاريع «الهندسة الاجتماعيّة» من الجهاز الاستعماري الصهيوني المستمّرة منذ أربعة أعوام في القدس القديمة. القدس التي بنِيت على «أنقاضها» رام الله لتشكل «دائرة هندسة استعماريّة» للجهاز الاستعماري الأطلسي أساساً. الضفة الغربية ترزح تحت احتلالين: صهيوني أدواته عسكرية، واحتلال أطلسي أدواته شبكة من المؤسسات والمراكز التي تنشط في «التأديب المَدني» للفلسطيني، وصولاً إلى تنويره.
* أستاذ علم الإنسان والاجتماع في جامعة بيرزيت