بعد عشرة أشهر على اندلاع الاحتجاجـــات، لا شــيء أكيداً في سوريا ولا خبر دقيقاً عــنها. الإعلام الرسمي لا يزال يؤدي دور الداعم للنظام، والسلطات تمنع دخول الصحافيين الأجانب إلى الأراضي السورية الا بإذن منها وعلى مسؤوليتهم الشخصية، وهو ما يجعل تغطية الحدث ناقصة. لكنّ الإعلام الغربي لم ينتظر الحصول على إذن لمعاينة ما يحدث في سوريا. لقد اتخذ منذ البداية معسكره، واختار الانحياز لا إلى الشعب بل إلى سياسات الدول الكبرى ومخطّطات سياسيّيها.


قبل أشهر قليلة، ختم الإعلام الفرنسي والأميركي والبريطاني «مهمته» في ليبيا بسيل الصور البشعة لجثة معمر القذافي. ترك الصحافيون البلاد على عجل، غير آبهين بمصير الشعب وأوضاع المواطنين. لم يكلّف هذا الإعلام نفسه عناء معرفة عدد القتلى المدنيين، ولم ينقل معاناة العائلات المفجوعة. كما أننا لم نقرأ تقارير صحافية عما يجري فعلياً في مناطق منابع النفط. ثم ماذا عن المواطنين الخائفين من سطوة المسلحين في معظم المدن والبلدات؟ ماذا يجري على الحدود؟ وفي مياه بنغازي؟ لا شيء.
السيناريو نفسه يتكرر في سوريا لكن بوتيرة أكثر بطئاً. الإعلاميون بدأوا يفتّشون عن بنغازي سورية، هل تكون الزبداني أو حمص أو دوما؟ الزبداني «تحرّرت» كما تنقل مراسلة «واشنطن بوست» الأميركية ليز سلاي من المدينة. ودوما باتت «مخبأ الناشطين الإعلاميين المعارضين الشجعان»، كما يروي مراسل سرّي لـ«لوس أنجلس تايمز»، قابلهم ومكث معهم في مخبئهم. وبين التغطية الأميركية والفرنسية، نقاط مشتركة كثيرة: فتح المنابر لرموز المعارضة السورية خصوصاً لدعاة التدخل العسكري، واعتماد «المرصد السوري لحقوق الانسان» (الموجود في لندن) مصدراً موثوقاً لاستقاء أعداد القتلى، وتجاهل التظاهرات المؤيدة للرئيس بشار الأسد وتصوير المشاركين فيها على أنهم خائفون ومجبرون على إظهار دعمهم للنظام، إضافة إلى تصريحات المعارضين السوريين كمتحدثين باسم الأغلبية الساحقة من الشعب، وإظهار «الجيش السوري الحرّ» كمجموعة من الثوّار التوّاقين إلى الحرية.
الإعلام نفسه لم يعترض على إدراج أسماء ثلاثة ناشطين سوريين موالين للنظام من أعضاء «الجيش الالكتروني»، على لائحة العقوبات الصادرة عن «الاتحاد الاوروبي». لم يصوّر أحد هذا العمل كـ«اعتداء على حرية التعبير».
أما عن جامعة الدول العربية، فبعدما تغنّى الإعلام الغربي بمواقفها «العظيمة والتاريخية» خلال أحداث ليبيا ومع بداية الأزمة السورية، تحوّل أخيراً الى مشكك بقراراتها بشأن سوريا، وبعمل مراقبيها هناك... حتى أن قضية مقتل الصحافي الفرنسي جيل جاكييه استغلّها السياسيون والإعلاميون أيضاً. وبعد إعلان صحيفة «لو فيغارو» أنّ الصحافي الفرنسي قتل برصاص المعارضين، شككت زميلتها «لوموند» بالخبر وأشارت الى تقرير آخر يؤكد مقتل جاكييه على يد القوات الموالية للنظام.
وفي محاولة نادرة، انتقد الصحافي البريطاني جوناثان ستيل في «ذي غارديان» تعامي الإعلام الغربي عن بعض الحقائق في سوريا وانتهاجهم سياسة التضليل وإخفاء الحقائق. وأعطى أمثلة على ذلك منها «تجاهل الجميع استطلاع الرأي الذي يقول إنّ ٥٥٪ من السوريين يؤيدون الأسد ويرفضون تنحيّه... هذا ما لن يقوله لك الإعلام الغربي»، يعلّق ستيل.