القاهرة | بينما كانوا معتصمين في ميدان التحرير انتظاراً لرحيل مبارك، كان القلق الأكبر لثوّار يناير أن يتعب الناس أو أن يملّوا فيفرغ الميدان. كم بدت آنذاك الساعات طويلة بين خطاب مبارك الأول في 28 ك2 (يناير)، ورحيله في 11 شباط (فبراير). الآن، بينما تتحرك عقارب الأيام لتكمل دورتها الأولى بعد الثورة، يندهش الثوار من أنفسهم كيف صمدوا 12 شهراً كاملاً.


لا بل، كيف اختلفت تلك الأشهر عن ميدان احتفالات الغناء والهتاف والتنكيت خلال الأيام الـ 18 التي هزّت العالم. جرّب الثوار وواجهوا أنواعاً من العنف والانتهاك لم تعرفها الثورة نفسها. كانوا يفخرون بصمود 16 ساعة في وجه «موقعة الجمل» قبل خلع الفرعون، فإذا بهم يصمدون خمسة أيام كاملة في «محمد محمود»، ثم أسبوعاً في مجلس الوزراء. وإذا بأيام الانفلات الأمني وقت الثورة تطول لتصبح عاماً من التكاسل الأمني والترويع المتعمد. لكن الأكثر إدهاشاً لم يأت بعد. الاحتفال اليوم ليس احتفالاً بصمود السنة الكاملة، بل استعداد لاستكمال ثورة لم يفتّ في عضدها المسار الأمني ولا أغراها المسار الانتخابي. كان المعتصمون يغادرون الاعتصام بالدور ليدلوا بأصواتهم في الصناديق ويعودوا. لم يعرف التاريخ ربما هذا الكم المتكرر من الاعتداءات على اعتصام في ميدان واحد، لكن الخيمات الملونة لا تزال صامدة بأعلامها هناك. في قلب الميدان، تقول «الثورة مستمرة». و«الثورة مستمرة» هو أيضاً عنوان قائمة انتخابية ثورية لم تحرز من مقاعد البرلمان سوى عشرة، فضلاً عن ثوريين آخرين في قوائم أخرى أحرزوا عدداً مقارباً. إنّهم «الخمسة في المئة» ذاتها التي تشكل رأس حربة عبّرت عن نفسها في الصندوق، كما تعبّر عن نفسها في الشارع، وإن بدا الرقم هامشياً في البرلمان، فإنّ أنصاره في الشارع هم كل شيء لأنهم الفعل والمبادرة والصدام والصمود والخيال. والبرلمان بلا شارع متحفز ومجازف ليس سوى جدران وبروتوكولات رسمية وحرس على البوابات. والثورة قبل أن تطيح الفرعون ووريثه، أطاحت الخوف و«ثقافته» من نفوس أجيال كاملة وشبان صغار ومراهقين يشكلون معظم الثمانين مليوناً. أجيال نشطة، ابنة عصرها لن يصمد أمامها عواجيز سلطة يتوقون إلى معاش هادئ أو خروج آمن، وإلا فالمواجهة غير المتكافئة مع المستقبل. أبناء الغد يهتفون ويرقصون في الشارع وجنرالات الماضي يعانون الأزمات الصحية.
هي ثورة لا تنتهي، ولذلك فإنها فضّاحة. استدرجت الجميع طوال عام من المواجهات للإفصاح عن مواقفهم الحقيقية من الثورة أو من ثوارها أو أحلامها، كأنها كانت تسعى طوال السنة إلى إثبات أنه لا يصح سوى الصحيح وأنّ الديموقراطية لا يمكن أن تلتقط الصور إلى جوار الدبابة، وأن حرية العسكر لا يمكن إلا أن تكون محاطة بالأسوار والأسلاك الشائكة، كما هي حال الميادين اليوم. الثورة فعل في التاريخ والجغرافيا، لكنها قبل ذلك زلزال في القلوب، ولهذا فإنها ـــــ الثورة ـــــ مثل موجة عارمة على الشاطئ وأعداؤها يحاولون منعها بأصابعهم.