القاهرة | هل هناك شاعر للثورة المصريّة؟ يمكن استبدال كلمة شاعر بكلمات أخرى مثل كاتب أو مؤرخ، أو قاصّ... الإجابة عن السؤال سهلة بالتأكيد، لكنّها ليست بالبساطة المتوقّعة. الثورة ما زالت مستمرّة، وتحتاج الأشكال الأدبيّة إلى وقت أطول لاستيعابها.


كلّ كتابة ثورية بالأساس حتّى في زمن اللاثورة. لأنّ الكتابة الجادة، في مكان آخر يبتعد عن التأثير والتأثّر. لم تعد الكتابة تنصت إلى المجتمع، بل إلى أسئلتها الخاصّة. وكلّما ابتعدت الكتابة عن المجتمع، كانت أقلّ إرشاداً ووعظاً.
في أحيان كثيرة، عندما نقرأ أدباً سبق حدثاً ما، نلقي بظلال الحدث على الكتابة ذاتها. وعندما تقع الهزيمة، نحكي القصائد والروايات التي استشعرت الهزيمة. وفي حالة الثورة المصريّة، سيجد نقاد كثر ما يبرهن أنّ الكتابة السابقة للثورة، كانت أشبه بالنبوءة. في الحقيقة، كانت تلك الكتابات حبلى بالغضب، كأنّها تنتظر انفجاراً كبيراً. سنجد ذلك البطل الإشكالي المحبط في رواية عمرو عاشور البديعة «دار الغواية». وسنجد اللغة العامية التي تجمع التراث والسخرية في «الطغرى» ليوسف رخا. وسنجد تلك النبرة الساخرة من السلطة الأبوية (سواء تمثلت في أب فعلي، أو مدير، أو رئيس...) في روايات عديدة. سرديّات الإنترنت، وتحديداً المدوّنات، كانت الأكثر توقعاً للصدام، وهي كتابات من دون ماكياج ولا كوابح، تحوّلت إلى فعل يحضّ على الثورة.
خلال الأيام الأولى للثورة في الميدان، كانت مساحات الارتجال كبيرة. كلّ متظاهر يختار شعاره، ولافتته، وقصيدته، وأغنيته. كان الوضع مختلفاً عن تظاهرات تأييد السلطة السابقة، بشعاراتها المعلّبة. مساحة الارتجال داخل التحرير، أتاحت تجاوراً بين كلّ الأجيال: كعكة أمل دنقل الحجرية، وصورة صلاح جاهين، وتلاميذ أحمد فؤاد نجم الذين «عادوا للجدّ تاني». كان صوت أم كلثوم يصدح «أنا الشعب»، وشادية تردّد «يا حبيبتي يا مصر»، وعبد الوهاب «ثوّار لآخر مدى». قالت رسالة الميدان إنّه لا جمال قديماً أو جديداً، بل حساسية يمكن أن تعبر عن المشهد أو لا تعبِّر عنه. هل نصدح بأغنية جاهين أم بقصيدة هشام الجخ؟ في استطلاع للرأي، سمّي الجخ، وعمرو قطامش شاعري الثورة، وهما من جيل شباب الثورة، لكن هل يمكن تغييب صوت عبد الرحمن الأبنودي الذي استعار حساسيته القديمة في «المشروع والممنوع» أو «الموت على الإسفلت»؟ شعراء أمثال أحمد عبد المعطي حجازي، عادوا إلى الكتابة بعد توقّف لأكثر من ربع قرن. كان يمكن عودته أن تكون حدثاً استثنائياً، لكنّ الثورة كانت قد تجاوزته، كما بدا ديوانه «طلل الوقت». الأمر نفسه ينطبق على حلمي سالم في ديوانه «ارفع رأسك عالية أنت المصري»، وحسن طالب في «إنجيل الثورة وقرآنها». عناوين الدواوين الثلاثة (الهيئة المصرية العامة للكتاب) نفسها، تشي ببقايا تلك الوصاية الأبويّة. كتابات أخرى تجاوزت الحالة الثورية، وتأملت نفسها، كما في كتاب الراحل إبراهيم أصلان غير المنشور «حكايات صغيرة عن حادث كبير». العمل تأمّلات مبدع لا يدّعى الإحاطة بكل شيء، ولا يقدّم وصايةً على أحد. ظهر نوع آخر من الكتابة، تناول يوميّات الثورة، وأبرز نموذجين عنه «أيام التحرير» لإبراهيم عبد المجيد، و«يوميات ميدان التحرير» لأحمد زغلول الشيطي. وأهمية هذه الكتابات توثيقية، تجعل الثورة أشبه بالفسيفساء، يستكمل كلّ من شارك فيها جزءاً من حكايتها. نردد دوماً أنّ نجيب محفوظ هو ابن «ثورة 19» البار، رغم أنّ عمره حينها لم يتجاوز الثماني سنوات، لكنّ تأثير الثورة في الفنّ والأدب يحتاج إلى سنوات ليظهر، وقد انعكس حينها انعكاساً فورياً على أعمال سيد درويش الموسيقيّة، وشغل محمود مختار في النحت، لكنّه انتظر أكثر من عقدين ليظهر في أدب صاحب «قصر الشوق». لم تقم ثورة «25 يناير» ضدّ مبارك ورجاله فقط، بل أيضاً ضدّ طريقة تفكير قديمة، كان فيها المثقف وصياً على الشارع. هي ثورة على زمن قديم، من أجل خيال جديد، ولغة جديدة... من يستطيع أن يقف في وجه الزمن؟