يستند كتاب فواز طرابلسي «الديموقراطية ثورة» (دار الريس ــــ 2012) إلى قسمين أساسين: الأول عبارة عن دراسات تتطرق إلى عملية التحول الديموقراطي في العالم العربي. والثاني عبارة عن مجموعة من المقالات تتعقب «الربيع العربي» الذي استهل فتوحاته مع «ثورة الكرامة» في تونس. الكتاب الذي يهديه مؤلفه إلى ذكرى المناضلين، اليمني جار الله عمر والبحريني عبد الرحمن النعيمي، اللذين يشهد بلداهما انتفاضةً عسيرة، لا يصل إلى مستوى المشروع الفكري المتكامل. إلاّ أنه يؤسس لإشكاليات تمهيدية يمكن التوسع بها ودرسها، وخصوصاً في ما يتعلق بالنتائج الأولية التي أرستها الثورات العربية.

في القسم الأول، يجري صاحب «تاريخ لبنان الحديث» مقارنة تاريخية بين التجربتين الغربية والعربية، والعلاقة بين الحرية والمساواة، وبين النفط والاستبداد، والعروبة والديموقراطية.

وقبل أن يتوجه الكاتب والأكاديمي اللبناني إلى عمق موضوعه، يقدّم رؤية نقدية في الفرضيات التي عالجت استشعار الأزمات في العالم العربي، وحذّرت من مخاطر الانفجارات الاجتماعية والسياسية؛ فهي في الغالب تطرقت إلى جدلية الديموغرافيا والتنمية وعلاقتهما بما يسميه الكاتب «الاستثناء الإسلامي» الذي يولّد العنف الجهادي.
لكن الانتفاضات العربية كما يخلص الكاتب أثبتت عدم جدوى هذه النظريات، «فهي لم تنطلق من اتجاه سلفي، بل اتخذت وجهة ديموقراطية تحققت باسم الشعب لا الأمة. شعار الأمة ــــ بصرف النظر عما يحمله من مضمون إسلامي تحت مفهوم الجماعة ــــ تراجع لصالح الشعب. وهذا التحول النوعي من المؤشرات الدالة، خصوصاً إذا ما قورن بالعبارات الجديدة التي حملها الشارع العربي في ثوراته المطلبية. وهي إن دلت على شيء، فعلى تراجع الإيديولوجيات (أقله عند الشريحة الشبابية المتعلمة التي شكلت الوقود الفعلي للحراك الشعبي العربي) لمصلحة القضايا المشتركة: أي الحرية العمل الخبز».
ثمة نقطة أساسية يعقّب عليها صاحب «الماركسية وبعض قضايانا العربية» تتمثل في تفكيك نظرية «النقصان الديموقراطي» ذات المنابع الاستشراقية التي جعلت العالم مقسّماً إلى محورين: محور غربي متقدم وديموقراطي، ومحور عربي متخلف وغير مؤهل للدمقرطة. ما تقدم به طرابلسي يحيلنا على الجهد الفكري الذي بذله بعض الغربيين، أي ورثة الأدبيات الاستشراقية. هؤلاء نظروا إلى العالم العربي/ الإسلامي من زاوية عجزه عن إحداث أي انتقال نوعي، ورأوا أن هذا العالم «ميت سياسياً» وغير قابل لامتصاص الحداثة السياسية. وهذه النظريات وجدت حيزاً لها عند جزء لا يستهان به من المفكرين الغربيين، وفي طليعتهم «بطريرك الاستشراق» برنارد لويس الذي رد عليه طرابلسي في مقالة تحت عنوان «برنارد لويس والديموقراطية العربية».
ما جرى ويجري في العالم العربي ثورة حقيقية على المفاهيم. وفي هذا السياق، يدرس الكاتب المصطلحات التي استخدمها الثوّار العرب، ويموضعها تحت شعارين أساسيين «الشعب يريد إسقاط النظام» و«عمل، حرية، خبز». ويرى صاحب «صلات بلا وصل ـــ ميشال شيحا والإيديولوجيا اللبنانية» أن ظهور ثنائية الشعب والنظام يعيدنا إلى «عهود حركات التحرر الوطني»، في حين أنّ الشعار الثاني يعبّر في الدرجة الأولى عن ثورة مطلبية، حيث جزء منها اجتماعي وجزء آخر سياسي.
يرى طرابلسي أنّ الربيع العربي «يرقى إلى مستوى الثورات وليس مجرد حركات عابرة». وهذه الخلاصة تدفعنا إلى طرح ثلاثة أسئلة: من أين تبدأ الثورة؟ من العامل السياسي، أم من المجتمعي والديني والثقافي؟ وكيف يمكن الحديث عن ثورات فعلية من دون إجراء التحديث اللازم للبنى الاجتماعية والثقافية والدينية؟ ألا يعني ذلك أنّ الأزمة السياسية تعكس أزمة المجتمع؟ المهم في «الربيع العربي»، كما خلص العديد من مراقبي التحولات الراهنة، هو كسر الخوف الذي أسقط الجمهوريات الوراثية في مصر واليمن وتونس وليبيا حتى الآن.
مؤشر آخر يكشف عنه صاحب «صورة الفتى بالأحمر ــــ أيام في السلم والحرب» في الجزء الأول من كتابه هو «عمق العلاقات بين السلطات الاستبدادية العربية ومؤسسات الرأسمالية المتعولمة الدولية»، وهذا المؤشر لا يقتصر على الأنظمة العسكرية التي تزيت برداء الجمهورية. بل يبدو أكثر حضوراً في الأنظمة الملكية، وتحديداً في الملكيات النفطية، فلماذا صمدت الأنظمة السياسية/ الاستبدادية في الملكيات وسقطت في الجمهوريات؟ لا يجيبنا طرابلسي عن هذا التساؤل المشروع بالشكل المطلوب، لكنه يوجه نقداً متماسكاً للديكتاتوريات النفطية في أكثر من موضع داخل كتابه.
من المهم الإشارة هنا إلى مسألة أساسية عالجها الكاتب؛ إذ يناقش أطروحات المفكر الألماني يورغن هابرماس عن دور المجال العام والفضاء الحضري في التحول الديموقراطي في إطار من المقارنة التاريخية بين التجربتين الغربية والعربية. كذلك فإنّه يعرج على أطروحة إدوارد سعيد «الاستشراق» ويعمل على قراءة التطور الفكري عنده، موظفاً خلاصات المفكّر الفلسطيني الراحل للرد على الإشكاليات الحتمية التي رأت أنّ العالم العربي عصيّ على الدمقرطة.
الجزء الثاني يتكوّن من مجموعة مقالات نُشرت في صحيفة «السفير»، وهي عبارة عن كرونولوجيا سياسية تتعقب الربيع العربي، رغم أنّ بعضها كُتب قبل هذه المحطة التاريخية الكاشفة. من تونس إلى مصر ومن اليمن إلى ليبيا ومن سوريا إلى البحرين، يرصد صاحب «قضية لبنان الوطنية والديموقراطية» الثورات الشعبية الهادرة.
وعلى إيقاع الضجيج الثوري، يكشف طرابلسي عن نتائج أولية مهمة، من بينها تبلور «قوة اجتماعية/ سياسية ثالثة مستقلة»، و «حماية الأنظمة الاستبدادية العربية، الجمهورية منها والنفطية السلالية، للسيطرة الإمبريالية»، وتضاف إلى هاتين النتيجتين، أخرى تتمثل في تجليات المشترك الوطني الذي عكسته ثورة ميدان التحرير، تحديداً في الصلاة المسيحية ـــــ الإسلامية المشتركة. ولا شك في أنّ ثقافة التجهيل التي أسّس لها النظام السابق ببراثنه الرجعية، هي التي أنتجت هذا الشرخ بين مكوِّنات الشعب المصري، فهل تتابع «ثورة النيل» حراكها تجاه ما هو ثقافي ومجتمعي على قاعدة ترسيخ الشراكة الوطنية؟
كتاب «الديموقراطية ثورة» بدراساته ومقالاته، يرصد التحولات الأولية للانتقال الديموقراطي في العالم العربي، ويصل إلى خلاصات مهمة. لكن الكاتب لم يعالج قضيتين مهمتين: موقع اليسار العربي في الحراك الشعبي ودوره، والحصاد الإسلاموي للربيع العربي.