قرابة 175 كيلومتراً قطعناها من دمشق، مروراً بمدينة طرطوس على الساحل السوري، ارتقينا جبالها الخضراء متجهين نحو الشمال الشرقي، قاصدين بلدة السودا. انعطفنا جنوباً، وصولاً إلى قرية عورو، تبعنا انعطافات الوادي الذي ترسم دروبه أشجار الزيتون، وانتهى بنا الطريق أخيراً إلى ضفّة نهر العزق، حيث يقع أحد مواقع تصوير مسلسل «أيّام لا تنسى» (كتابة فايزة علي). كوخٌ خشبي، يتناغم في تكوينه مع سحر المكان، ويشهد عزلة الفتاة الشابّة مريم (حلا رجب) وأمهّا نورا (روبين عيسى) ومعاناتهما. كلاهما تدفع ثمن نزوة جلال (وائل رمضان)، الرجل الثري الذي أحبتّه خادمته بصدق وحملت منه، لكنّه أدار ظهره لهذا الحب رضوخاً للأعراف، وسطوة زوجته ملك (سوزان نجم الدين)، وكل ما استطاع تقديمه لها ذلك الكوخ البعيد وفيه ولدت طفلتها، وكبرت وسط هواجس الأم وانعدام ثقتها بالرجال، وربّما العالم أجمع.

في موقع التصوير الذي زارته «الأخبار» أخيراً، يبدو الانسجام واضحاً بين فريق العمل الذي يقوده المخرج أيمن زيدان، وينجزُ المشهد تلو الآخر بلا كلل، ولا يعكّر صفوه سوى أصوات كورال من الضفادع تمارس نشاطها الموسمي، من دون إقامة أيّ اعتبار لصرامة أمر الأكشن، حتى غدت محاولات إسكاتها اليائسة، مهمّة أساسية لإحدى منفذي الإنتاج. كان يُفترض انتهاء تصوير المشاهد في الموقع (الكوخ) قبل 15 يوماً، إلا أنّ حريقاً غافل حرّاسه حوّله إلى رماد في غضون دقائق والتهم معدات التصوير والإضاءة، والملابس، والإكسسوارات بداخله. لكن ذلك لم يوقف العمل سوى يومٍ واحد، تم خلاله استقدام المعدّات الجديدة من دمشق، قبل الانتقال سريعاً إلى مواقع أخرى، ريثما تتمّ إعادة بناء ما احترق.

شبّ حريق في الكوخ وقضى على الثياب والاكسسوارات

زيارة «الأخبار» تزامنت مع أوّل أيّام عودة التصوير في الكوخ. أكّد زيدان نجاح فريق المسلسل في استعادة تفاصيله كاملةً وتجاوز هذه الكارثة. وقال: «حين عدنا، وجدنا أرواحنا تنتظرنا هنا من دون أن تنال منها النيران، فعانقناها، وتابعنا عملنا كأنّ شيئاً لم يكن، بغض النظر عن الخسارة الاقتصادية». وأضاف النجم السوري الذي يخوض تجربته الإخراجية التلفزيونية الرابعة في «أيّام لا تنسى»: «رغم حزننا لما حدث، إلاّ أنّ عنادنا ساعدنا في متابعة المشوار. مهنتنا مهنة إصرار، وتحتاج فقط إلى علاقةٍ إيجابية بين المشروع ومموليه ومنفذيّه، وهذا ما استطعنا تحقيقه عبر هذا العمل بتعاونٍ من الجهتين المنتجتين (أي بي سي وسيريانا)». ولفت الممثل «نحن استطعنا حقيقةً أن نورّط مَن حولنا في مشروعنا أناساً وأمكنةً، وتحويلهم إلى شركاء، وكنّا دائماً نحظى بوداعٍ حميمي من سكّان المناطق التي أنهينا تصويرنا فيها بطرطوس».
وخصّ نجم «يوميات مدير عام» أهالي قرية دوير طه بالتحيّة، قائلاً: «أرفع القبعّة لهذه القريّة وأهاليها، حيث صورّنا فيها مشاهد ترصّد حالاتٍ نفسية معقدّة للشخصيّات، وتتطلب تركيزاً عالياً من الممثلين أدوّها وسط صمتٍ مطبق، بينما كان يتابعها ما لا يقل عن 400 شخص، كأنّهم يحضرون أحد عروض مسرح الشارع. بدا الصوت تقنياً بأفضل حالاته، كما لو كان مسجّلاً داخل استوديو». ووصف المخرج رحلة تصوير «أيّام لا تنسى» التي تجاوز منتصفها بـ «الرحلة الشاقّة، لكنّها تستحق العناء».
اختتم «أبو حازم» حديثه ودعانا لتناول الطعام مع فريقه في استراحةٍ قصيرة حيث شارفت الشمس على الغروب، وهو الوقت الذي يستجمع فيه فريق التصوير قواه قبل التجهيز لاختتام يومه الطويل بالمشاهد الليلية. اقتنصنا فرصة الاستراحة لتبادل الحديث مع الممثلتين حلا رجب، وروبين عيسى، وكلاهما تؤدي شخصية محورية في العمل، تتطلب جهداً على مستوى الأداء. تؤدي روبين دور الأم نورا لممثلة من الجيل ذاته، ويفرض عليها الدور إبراز فارقٍ عمري بينها وبين ابنتها بحدود الـ 25 عاماً، إلى جانب الحالات النفسية الصعبة التي تمر بها.
العمل يرصد «أربع مراحل عمرية لنورا وصولاً إلى عمر الـ 45 حيث انتهى بها المطاف في هذا الكوخ المعزول كامرأة عصابية، خائبة الأمل، تعاني الوحدة مع ابنتها التي تحكم حولها الحصار، خوفاً من فقدانها أو مواجهة مصيرٍ مماثل لما واجهته». ورغم التحديّ العمري، تقول روبين عيسى لـ «الأخبار» إنها لم تتردّد في قبول الدور «أغرتني الشخصية منذ قراءتي الأولى لها، وشجعّني إحساس زيدان بقدرتي على أدائها. كما أنّ صديقتي حلا شريكة جيدة. كلانا أحبّ الدورين الذين نلعبهما، ويعطي اقتراحات للآخر، تدعم شكل العلاقة بيننا في المسلسل كأمٍ وابنتها». أما شخصيّة مريم، فتشّكل حكايتها أحد المحاور الرئيسية، لأحداث مسلسل «أيّام لا تنسى» فهي تتعرّض للظلم لأنها ابنة غير شرعية. كما أن معاناتها في عزلتها مع أمها، ليست إلا فصلاً من فصول الحكاية التي وصفتها حلا رجب بـ «المؤثرة، والغنيّة والمغرية لأي ممثلة على مستوى التطوّرات والتفاصيل، ومساحة الأداء».
العمل سيعرض في رمضان المقبل، وهو من إنتاج مؤسسة «سيريانا»، بالشراكة مع «أي بي سي» التي تتولى أيضاً تنفيذ عمليات الإنتاج الفنية كافة، ويلاحق مصائر دينا (ديمة قندلفت)، ليلى (رنا كرم) ومريم (حلا رجب)، وانكساراتهن، وقصص حبّهن، ولحظات فرحهن المسروق، عبر أحداثه الممتدة بين عامي 1990 و2016.