عمان | في إحدى حفلاتها، تردّدت المغنية المصريّة دنيا مسعود في تقديم أغنية «دنيا يا دنيا». ليلتها، احتاجت إلى الاعتذار المسبق من الرجال قائلة: «مش عاوزين نخسر بعض» لتغنّي بعدها: «دنيا يا دنيا ما كفاية اللي جرى، راجل وملو هدومه وفي البيت حاكماه مراه». مَن يعرف دنيا، لا يمكنه أن يتجاوز فكرة انشقاقها عن جيلها الموسيقيّ، وبالتالي العودة إلى التواصل مع الذاكرة الموسيقيّة المنهوبة تحت أسماء وأساليب عدة. تطلّب منها ذلك شجاعةً للبحث في أصول الموسيقى التي توشك على الاختفاء، وشجاعة مماثلة لتقدّم أمام جمهور معاصر أغنية تشير إلى الذكوريّة بوصفها منقوصة.


كانت هذه الأغنية الآتية من أسوان نتيجة بحث استغرق من الفنانة الاسكندرانيّة الأصل، ثلاث سنوات أمضتها في الأرياف والمحافظات والأقاليم المصريّة: حضرت الأعراس الشعبيّة والمناسبات العامة، ووثّقت وبحثت وراكمت المعرفة. والأهم: ربّت شجاعتها. كان ذلك بعدما دخلت مجال التمثيل في المسرح والتلفزيون والسينما، وشاركت إلى جانب عمر الشريف في مسلسل «حنين وحنان»، وأفلام «جعلتني مجرماً»، و«خلي الدماغ صاحي»، و«جنينة الأسماك».
بعد جولتها تلك، أسّست فرقة «فيونكات دنيا» بهدف استعادة هذه الأغنيات التراثية وتقديمها مرة أخرى إلى الجمهور المخدّر بموجة الموسيقى البديلة التي جرى اتهامها بأنها تغريبيّة وانفصاليّة. في الوقت عينه، قدّمها الموسيقيّ فتحي سلامة عام 2001 أمام جمهور دار الأوبرا المخدّر، أيضاً، بالأغنيات المصريّة الكلاسيكيّة الآتية من زمن ومكان مختلفين، لتنضم لاحقاً إلى فرقة سلامة «الورشة» التي توثّق الحكايا الشعبيّة وتعيد تقديمها إلى الجمهور المنفصم بين زمنين.
كان ثمرة هذا الانشغال والإخلاص للمشروع أسطوانة «محطة مصر» (2009) من إنتاج «جمعيّة عرب الموسيقيّة»، هذه الأسطوانة التي رسّخت مشروعها ووضعت دنيا في مسار التخصّص. ضمّ الألبوم عشر أغنيات من مختلف مناطق مصر: الاسكندريّة والسويس والدلتا شمالاً، إلى الصعيد والنوبة جنوباً. أبرز ما ميّز هذه الأسطوانة أنها وضعت الحد بين «الفيوجن» والتراث الحقيقي، إضافة إلى عنصر أساسي في حضورها الذي يغمر الأغنية ولا يبتزّها، وأدائها الذي يضيف إلى الجو الأصلي ولا ينتقص منه.
أما ذروة «محطة مصر» فهي أغنية «نعناع الجنينة». مقارنة سريعة بين أداء محمد منير وأداء دنيا تكشف عن ثلاثة عناصر: أولها استغناء دنيا عن الموسيقى نهائيّاً لتردّ «نعناع الجنينة» إلى ذاكرتها الأصلية في مناجاة عاشقة لحبيبها المسافر. ما يقود إلى العنصر الثاني: باختفاء الموسيقى، يتم التركيز على الصوت الذي يتأمّل ويندب ويندم ويعشق ويحنّ: توليفة الصبيّة النوبيّة التي تجفّ عنها كل مصادر الترفيه، وتغني في بيئتها الحقيقيّة من دون ترف الموسيقى. أما العنصر الثالث، فهو وضوح الكلمات التي يصعب اللحاق بها في نسخة محمد منير. وهو جزء أساسي من مشروع دنيا الذي يهدف إلى نقل التراث المحكي.
بعد هذه المحطة، تشترك دنيا في مشروع جريء بالنسبة إليها. مع تامر أبو غزالة ومحمود ردايدة وزيد حمدان، يؤسسون معاً فرقة «كزا مدى» التجريبيّة.
الليلة، ستغنّي دنيا في DRM برنامجها المعتاد. ستجول بنا عبر الأقاليم والمحافظات المصريّة، إضافة إلى عدد من أغنياتها الجديدة مثل «مش مهم» (كلمات الزميل الشاعر محمد خير) الذي تغني له أيضاً أغنية «يحصل إيه». إنها فرصة جديدة للجمهور اللبناني لسماع التراث المصري في أصفى تجاربه.




دنيا مسعود: 10:00 ليل اليوم ــــ «جمهورية الموسيقى الديموقراطية» DRM (الحمرا ـ بيروت) ــ 70/0300323