القاهرة | بعد عام كامل على «25 يناير»، ينجز يسري نصر الله شريطاً روائياً طويلاً يحكي «عن الناس... عن البني آدمين، وكيف تغيّروا بعد الثورة». في فيلم «ريم ومحمود وفاطمة»، يؤرّخ صاحب «باب الشمس» للثورة المصرية، جامعاً بين التوثيق والدراما. العمل من تأليفه بمساعدة الكاتب الشاب عمر شامة، وبطولة باسم سمرة، ومنّة شلبي، وناهد السباعي. يعتمد الفيلم نبرةً واقعيّة، متخذاً من التظاهرات والاعتصامات التي نظّمها الثوّار مادةً أساسيّة للسرد.


زجّ السينمائي بأبطاله في التظاهرات الحقيقيّة، وكان يصعب جداً عليه التقاط حراك الشارع في العام الماضي، وحَصره في بعض المشاهد. لكنّه آثر تسجيل كلّ تلك اللحظات الحيّة، ومنها مؤتمرات حزبيّة، وتظاهرات شعبيّة حاشدة، ليأتي عمله جامعاً بين التسجيلي والروائي، يحكي قصصاً مختلفة، تلتقي كلّ خيوطها في ميدان واحد.
يحاول نصر الله البحث عن مستقبل مصر، متنقلاً بالصورة والسيناريو، بين ميدان التحرير، ومنطقة الهرم، وعدد من شوارع القاهرة والجيزة في تجربة وصفها نقّاد بـ«المجنونة»، وخصوصاً أنّه لا يعتمد على حوار مكتوب، وسيناريو محدّد. الأحداث اليومية للثورة كتبت سطور الفيلم الذي يحاول الإجابة عن أسئلة: كيف تغيّر المصريون بعد الثورة؟ وما هو حلم الشباب المصري اليوم؟ يرصد نصر الله بعدسته المرحلة الانتقالية التي تعيشها مصر الآن منذ تظاهرات يناير 2011، وحتى نهاية الانتخابات البرلمانية، ودور الجيش فيها، وكان يطمح إلى المواصلة إلى ما بعد انتخاب رئيس جديد. «ندمان إني مقدرتش أصوّر أحداث ماسبيرو» يقول. «كنت مشغولاً حينها بتصوير بعض المشاهد، بين الزمالك والهرم، ولم أتوقّع أن تتطوّر الأحداث بهذه السرعة»، لكنّه يؤكّد أنّه يبحث عن الطريقة الأفضل لإدخالها في سياق الشريط الذي دخل الآن مرحلة المونتاج.
أبطال الفيلم ناشطة سياسيّة، وجمّال. الناشطة السياسية ريم (منة شلبي) تعمل في شركة إعلانات. وأثناء تنفيذها لإحدى حملات التوعية لمصلحة الشركة، تقف وتسأل نفسها: «إلى متى سنظلّ بعيدين عن الشارع الحقيقي؟ إلى متى سنلقن الكومبارس جملاً معينة، ونجعلهم يظهرون على الشاشة، كأنهم الشعب؟». حينها تقرّر النزول إلى الشارع، وإلى ميدان التحرير. هناك تلتقي الشابة الأرستقراطية «شعباً جديداً»، لم تكن تعرفه. الجمّال محمود (باسم سمرة)، شاب فقير، يعاني كغيره من التهميش، والاستغلال. يتحوّل إلى أداة في يد رجال نظام مبارك، دفع به ليكون أحد منفّذي الاعتداء الذي عرف في الإعلام بـ«موقعة الجمل». المخرج صاحب الخلفية اليسارية، يرصد تلك الواقعة بعين مختلفة: «استخدم رجال مبارك أولئك المساكين، واستغلوا فقرهم وجهلهم»، يقول نصر الله. ويضيف: «لا أريد المشاركة في الهجوم على هؤلاء البشر. قصّة الفيلم عن شخص يعاني التجاهل والازدراء ويحاول استعادة عزة نفسه».
يظهر صاحب «جنينة الأسماك» التفاوت الطبقي في المجتمع المصري، وتأثيره في أسلوب تفكير الشخصيات. محمود الخيال الفقير يبحث عن قوت لكفيله مع زوجته فاطمة (ناهد السباعي)، وتتأثر حياته مع بداية الثورة بسبب غياب السيّاح، وتوقّف مصدر رزقه. وينطبق الأمر على الشخصيات الأخرى، ومنها فيدار المهتمّة بحقوق الحيوان، حين تنزل إلى الشارع، وتكتشف أنّ حقوق الإنسان مهدورة أيضاً في مصر. في الخلاصة، إنّه عمل يؤرّخ للإنسان المصري، ويرصد تحوّلاته يوماً بيوم منذ نزوله إلى الشارع في «25 يناير» من العام الماضي. في «ريم ومحمود وفاطمة» يزيح يسري نصر الله السلطة عن مركز الأحداث، ويعطي البطولة المطلقة للأبطال الحقيقيين... الشعب.




محطم القلوب

زيادة مشاهد الفيلم لا تشغل يسري نصر الله. «قدّمت سابقاً فيلم «صبيان وبنات» الذي استغرق تصويره 75 ساعة لكنّي لخصته فى ساعة ونصف». لم يحدِّد نصر الله موعداً لعرض الفيلم، إلّا أنّه أعلن أخيراً أنّ الشريط لن يشارك في «مهرجان الأقصر للسينما الأفريقية» الذي ينطلق في 21 الحالي. يأمل نصر الله أن يكون العمل جاهزاً للعرض في آذار (مارس)، وهو يتابع حالياً عمليات المكساج والصوت والموسيقى التصويرية. سيكون هذا العمل الروائي الأول الذي يتناول الثورة المصريّة مباشرةً، بعدما شارك نصر الله في شريط «18 يوم» من خلال عمل قصير بعنوان «داخلي/ خارجي»، على أن يشرع بعده في تصوير فيلمه «محطم القلوب».