القاهرة | قرّرت قناة «الحياة» فجأة التوقّف عن نقل التغطية المباشرة للتطورات الأمنية والتظاهرات في محيط وزارة الداخلية في القاهرة. أما السبب فهو أنّ «الجمهور قد أصابه الملل من أخبار التظاهرات والصدامات بين الشباب ووزارة الداخلية» كما جاء في البيان الرسمي الصادر عن المحطة التي يملكها السيد البدوي رئيس «حزب الوفد»، أقدم حزب معارض في مصر. هكذا لم تكد تمضي 48 ساعة على مذبحة بورسعيد، حتى رأى القائمون على القناة الخاصة الأشهر في مصر أن وجود الكاميرات بشكل دائم في محيط الوزارة ليس في مصلحة المشاهدين. وهو ما فسّره البعض على أنهّ محاولة جديدة لتحويل المواجهة بين الثوّار والأمن إلى شأن لا حاجة للمواطن لمتابعته حثيثاً.


يأتي ذلك رغم أن قنوات مثل «سي. بي. سي»، و«أون. تي. في» خصصت شاشات مستقلّة للنقل المباشر لكل التطوّرات في الساحات المصرية. لكن هل تعني خطوة «الحياة» أنّ الاشتباكات التي ستشهدها الميادين المصرية (إذا حصلت) ستكون بعيدة عن التغطية الإعلامية؟ وهل القناة على استعداد لخسارة جمهورها؟ لا يمكن الإجابة عن هذا السؤال بمعزل عمّا تقدمه معظم الفضائيات الخاصة حالياً. باستثناء «أون تي في»، يمكن الجزم بأنّ أغلب المحطات الخاصة الأخرى لا تساند الثورة المصرية: «سي. بي. سي» باتت متّهمة بمساندة النظام. طبعاً نقصد النظام الحالي أي المجلس العسكري، بعدما اتُّهمت المحطة طويلاً بأنها بوق لنظام حسني مبارك. هكذا بدأ مذيعوها يهاجمون النظام السابق، بعدما اشتهروا بمساندته قبل الثورة وخلالها. مثلاً، استمعنا على الشاشة نفسها إلى الإعلامية لميس الحديدي وهي تذيع خبر حرق مبنى حكومي قريب من وزارة الداخلية، قبل أن يحصل ذلك بأربع ساعات. وهو ما تكرّر في السابق مع الإعلامي خيري رمضان على القناة نفسها. يومها، بث خبر حرق المجمع العلمي قبل حدوثه بيوم كامل. كل هذه «الحوادث» زادت من الاتهامات الموجّهة إلى المحطة وإلى الدور الذي تلعبه.
صاحب قنوات «سي. بي. سي» محمد الأمين لم يظهر على محطاته منذ إطلاقها في تموز (يوليو) الماضي. لكنه أجرى أخيراً مداخلة هاتفية فقط ليعبّر عن رفضه لاقتحام مبنى وزارة الداخلية. أما قنوات «مودرن» الرياضية التي يملك الأمين الحصة الأكبر منها، فقد تفرغت إلى الربط بين الثورة وحالة الانفلات الأمني منذ مجزرة بورسعيد. كذلك بثّت تقارير مفبركة ضد قيادات الثورة. هكذا بات واضحاً أن الهدف هو تحويل الغضب العارم من المذبحة إلى تحذيرات من سقوط وزارة الداخلية، في إيحاء غير مباشر إلى ضرورة خروج الثوار من الشارع، والتوقف عن المطالبة برئيس مدني.
إذاً، تسعى هذه القنوات إلى تغيير أولويات المشاهدين، حتى لو ادّعت أنها مع الثورة في بعض الظروف. حتى قناة «25» التي انطلقت من رحم ميدان التحرير، بثّت تقريراً مع الجنود الذين يحرسون وزارة الداخلية. واستمعنا إليهم يصفون المتظاهرين بأسوأ النعوت مستخدمين لغة الشتائم. طبعاً لم تذكر المحطة أن معدّ التقرير أحمد رجب هو أيضاً ضابط في الشرطة، ولم تخبرنا كيف يعمل هذا العسكري في تقديم البرامج، وهي خطوة مخالفة للقانون. فيما لم تتوقف بعض القنوات الدينية عن ممارسة الدور نفسه، فخرج الداعية خالد عبد الله يندد بإلصاق لقب شهيد بضحايا بورسيعد، فهاجمهم ساخراً: «هتقولوا لربنا كنتوا في ماتش كورة»؟