سليمان فرنجية يلقي بنفسه على كتف سمير جعجع، محمد رعد يراقص سعد الحريري، وميشال عون يعانق فؤاد السنيورة... لم يحدث هذا على طاولة الحوار الحقيقية، بل في مشهد تخيّله الفنان الشاب محمد سعد ضمن لوحة «هللويا» المعروضة في «معرض الخريف الحادي والثلاثين» (مركز بيروت للمعارض). استخدم سعد عن عمد تقنية زيتية نقيّة في لوحة أشبه بالعشاء السري، ليسخر من طاولة الحوار اللبنانيّة ورجالاتها (راجع تفاصيل منها مع الإطار أدناه). عمل سعد من المفاجآت النادرة التي حملها معرض الخريف السنوي الذي يغلق بابه غداً، مشرّعاً في المقابل أبواب التساؤل واسعةً حول واقع الفنّ التشكيلي في لبنان.


120 لوحة عرضت في «مركز بيروت للمعارض» خلال الأسبوعين الماضيين ضمن جوّ غلب عليه التصوير الفوتوغرافي، وحضر فيه التجديد لكن بخفر. اختارت لجنة التحكيم الأعمال المعروضة من بين 465 عملاً لـ229 فناناً «تبعاً لقدرتها الابتكاريّة بحسب واحدة من أعضاء اللجنة الدائمين، الأكاديميّة والناقدة مهى سلطان. معايير الاختيار عديدة بحسب سلطان، أبرزها أن يكون مستوى «الأعمال فوق الوسط»، وتراعي «التنوّع التقني والمواد الموجودين في طبيعة التشكيل اللبناني، مع الحرص على تمثيل مروحة واسعة من التيارات والاتجاهات الحاضرة على الساحة المحليّة اليوم». هكذا، حرصت اللجنة التي رأسها المعماري عاصم سلام، وضمّت النقاد سمير الصايغ، وجوزف طرّاب، وكارل قديح، على اختيار لوحات زيتية، وأعمال فوتوغرافيّة، وتجهيزات، وفخاريات، ومنحوتات، وموزاييك، وزجاجيات، وحتى قهوة على قماش، وسجائر...
لكنّ التقليد العريق الذي انطلق قبل ثلاثة عقود في «متحف سرسق» لتشجيع الفنانين الشباب، حمل أعمالاً تقليدية بمعظمها. الأعمال ذات النفس التجديدي قليلة، وتحمل تواقيع فنانين صارت بصمتهم معروفة في الساحة المحليّة من خلال معارضهم المتتالية، خارج تظاهرة «معرض الخريف». محمد الروّاس مثلاً عرض عملين تركيبيين الأول بعنوان «حتى يوحدنا الموت» (مواد مختلفة على القماش)، والآخر بعنوان «سقوط النظام» (مواد مختلفة على خشب معاكس). جاء العملان محمّلين بصبغة سياسيّة واضحة، تستخدم مواد غير بديهية في معالجة الواقع، منها شخصيات تن تن، ودونالد داك. يأخذ النقد السياسي والاجتماعي عند جيلبير الحاج بعداً أكثر عبثيّة في «كدت أكرهك لفرط ما كذبت عليك» (تصوير فوتوغرافي). يشتغل الحاج لوحته الشبيهة بلسان فريق «رولينغ ستونز» الشهير، بشكل تبدو الصورة أقرب إلى رسم بألوان الرصاص. يمدّ الحاج لسانه للعالم القاسي، كطفلٍ عابث. بدوره، يواصل أسامة بعلبكي حفره في عالم الغرف المغلقة، كاستعارة مصغرة عن عزلة العالم الأكبر. في عمل من دون عنوان يستخدم ألوان الأكريليك الباردة على القماش، يصوّر رجلاً بابتسامة ساخرة، يرخي جسده على أريكة، ويضيء مصباحاً كهربائياً، يتضح أنّه مفصول عن التيّار. من الوجوه المجددة أيضاً فلافيا قدسي التي تشارك بلوحة زيتيّة إشكاليّة بعنوان «حمرة ـــ زهر» هي أشبه بلعبة مرايا، تبدو فيها امرأة ترتدي ثوباً قصيراً في جزء وفي الجزء الآخر، تظهر كأنّها تضع الحجاب. خارج هذا الإطار، جاءت الأعمال باهتةً في مضمونها وبعدها السياسي والفنّي، إذا استثنينا ما قدمه المكرّسون كلور غريّب، وجميل ملاعب وجيرار أفيديسيان. هذا رغم أنّ «معرض الخريف» قدّم هذا العام أسماءً واعدة، خصوصاً في مجال التصوير الفوتوغرافي، ومنها جو كسرواني الحائز جائزة لجنة التحكيم عن عمله «منظر بيروت». هناك أيضاً مريم دلال في عملين فوتوغرافيين تلتقط فيهما تفاصيل حميمة وعاديّة، والزميل مروان طحطح في صورة بعنوان «باريس»، وعليا حاجو في صورة للسانها بعنوان «خريطة جغرافيّة».
أمام فقر المضمون، تردّد في أروقة المعرض كلام كثير عن رفض اللجنة لأعمال فنانين كثر، منهم مازن كرباج الذي شارك بلوحة تتناول الربيع العربي. وعلمت «الأخبار» أنّ اللجنة رفضت تجهيزاً لأحد الفنانين فضّل عدم ذكر اسمه لأنّها ظنّت أنّ العمل مفكوك، علماً أنّ التجهيز نفسه عرض في دار «كريستيز» العالميّة. الحالات المشابهة كثيرة. يعزو رئيس لجنة «متحف سرسق» الوزير السابق طارق متري ذلك إلى ضيق المساحة: «بعد الانتهاء من ترميم المتحف (راجع الإطار)، نطمح إلى توسيع البيكار، واختيار المزيد من الأعمال كي لا نظلم أحداً»، يقول. المسألة ليست مسألة كمّ بالطبع. بعد الخروج من «معرض الخريف»، قد يتساءل الزائر عما إذا كان التجديد على ساحة التشكيل اللبناني سيُختصر مثلاً بتجهيز عبارة عن تلّة من السجائر أو بلوحة لوجه المسيح واضعاً في عنقه قلادة تتدلّى منها كلمة «الله» بخطّ قرآني.

«مركز بيروت للمعارض» (وسط المدينة). للاستعلام: 01/334133




ترميم «سرسق»


منذ ثلاثة أعوام، بدأت عمليات الترميم في «متحف نقولا ابراهيم سرسق» العريق الذي افتتح عام 1961 في الأشرفيّة (بيروت). ويتولّى المعماريان جان ميشال فيلموت، وجاك أبو خالد مهمة توسيع المتحف من الداخل، بهدف الحفاظ على طابعه الأثري من جهة، والحصول على مساحة أكبر للعرض من جهة أخرى.