في معرضه Vivarium، لا يرسم عمر فاخوري (1979) لوحات تقليدية. هناك فكرة مسبقة تجمع اللوحات الـ 15 التي تحتضنها «غاليري أجيال». فكرة تجعل المعرض مديناً لتأويلات تتجاوز الرسم إلى مسائل تتعلق بالعمارة والتنظيم المديني وإشكاليات السكن في مدينة مثل بيروت، قادرة على الجمع بين عمارات شاهقة ومساكن هشة وبائسة في مشهد واحد.

يوثِّق الرسام اللبناني الشاب الأمكنة والمساحات التي يقيم فيها نواطير المباني، وعمال الورش ومرائب السيارات، إضافةً إلى المحارس ومعابر التفتيش التي يناوب فيها الجنود أثناء خدمتهم. هكذا، تنكشف «أمكنة للحياة» في العنوان اللاتيني للمعرض عن ترجمة تشكيلية ساخرة في اللوحات، ويصبح «الملجأ» أو «المحميّة» فضاءً ملفّقاً لا يحمي مَن يقيمون فيه، ولا يوفر لهم الحد الأدنى من شروط الإقامة والسكن. داخل هذا التصور، يصبح المعرض نوعاً من التجهيز أو الفن المفهومي، الذي يتذرّع بالرسم كي يوصل وجهة نظر محددة. ممارسة مماثلة ليست غريبة عن شغف فاخوري بالممارسات الطليعية، التي «أفسدت» فن اللوحة الصافية لمصلحة فنون معاصرة تستجيب بطريقة أفضل لطموحاته وطموحات عدد من أبناء جيله. الواقع أنّ فاخوري مقل في الرسم أصلاً. منذ بداياته المبكرة، سعى إلى وضع الرسم داخل مزاج فردي يستثمر التعبيرات الفوتوغرافية والبوب آرت والكولاج، قبل أن يميل أكثر إلى تقديم أعمال فيديو ومشاريع تجهيز صريحة. قدّم ثلاثة معارض فردية سابقة، وشارك في معارض جماعية في لبنان والخارج. الأفكار الذاتية حضرت في أغلب أعماله. في cartastrof (2006)، لعب بفكرة «آلة الزمن» كي يدسّ صوره الشخصية في صور تعود إلى أزمنة وحوادث تاريخية معروفة. وفي فيديو Lira- Dollar (2005)، أنجز أوتوبيوغرافيا من خلال مقارنة سنوات حياته بصعود وهبوط قيمة الليرة اللبنانية أمام الدولار الأميركي، في الفترة الممتدة من تاريخ ميلاده حتى لحظة العرض، وفي Innocence (2004)، جعل عدداً من الأشخاص يرددون عبارة واحدة: «أنا عمر فاخوري، أعلن براءتي من كل ما حدث في لبنان منذ عام 1979 حتى الآن». يسمّي معرضه الحالي «عودة إلى الرسم بطريقة ما»، لكنها عودة مشروطة بمذاقات مشاريعه السابقة. هناك أصلٌ فوتوغرافي للفضاءات المعمارية الهشة المرسومة في اللوحات. التقط بكاميرته بعضاً منها، وكلّف آخرين بتصوير بعضها الآخر، وخصوصاً الأماكن المخصصة للجنود. قوة المعرض تكمن في أنّ الرسام يباغتنا بما اعتدنا مشاهدته في حياتنا اليومية. يذكّرنا بأن حزام البؤس الذي يزنِّر المدن عادةً بات موجوداً في داخلها أيضاً. بطريقة ما، نحس أننا نشاهد ريبورتاجاً تشكيلياً عن قبح معماريّ رائج لا يجد مشكلة في تجاور الرفاهية والرثاثة في مساحة واحدة، حيث تتشاهق أبنية زجاجية تناطح سماء بيروت، بينما تتكوّم في «كعب» تلك الأبنية غرفٌ مهلهلة تضمُّ بشراً ليس في وسعهم النظر إلى أعلى، فكيف بالسكن في الأعالي التي شيدوها بسواعدهم؟ في المقابل، لا تقلّ محارس الجنود هشاشةً عن غرف العمال، وإن كان المناوبون فيها معفيّين من العيش الدائم فيها. إلى جانب النبرة الانتقادية والساخرة، تكشف اللوحات عن مديح مبطَّن لما هو مؤقت وآيلٌ إلى الزوال. في غياب أصحابها، تبدو الأمكنة أكثر وحشةً وبؤساً في المعرض. استبعد فاخوري ساكنيها المؤقتين، واكتفى برسم المكونات المرتجلَة لأمكنتهم. هكذا، يمكن النظر إلى اللوحات كـ «أمكنة» و«ملاذات» مقترحة للألوان الشاحبة وغير المتآلفة لقطع الخشب والشادرات البلاستيكية وألواح التوتياء التي صُنعت منها الأمكنة الأصلية. إلى جانب ذلك، يقترح الخلاء البشري خلاءات لونية على المتلقي. هكذا، تصبح اللوحات قادرة على أن تخدم موضوع المعرض، وأن تكون أعمالاً تجريدية صافية أيضاً.




* Vivarium: حتى 18 الحالي ـــ «غاليري أجيال» (الحمرا ـ بيروت) للاستعلام: 01/345213