في كتابه «في مديح الثورة ــــ النهر ضد المستنقع» (دار الساقي ـــ 2012)، يبدو الكاتب الفلسطيني خالد الحروب متفائلاً بالربيع العربي. تفاؤله لا يعني أنّ الحركات الاحتجاجية التي جرت في أكثر من بلد عربي استطاعت تحقيق انقلاب جذري على المنظومة السياسية والمجتمعية السائدة. هو يرى أنّ كسر الخوف وثورة الشعوب على الأنظمة الاستبدادية، يؤكدان نتيجة واحدة: التغيير بدأ والمستنقع أصبح كالنهر الهادر. لا يتوانى صاحب «هشاشة الايديولوجيا، جبروت السياسة» الذي أهدى كتابه الى المفكر اليساري صادق جلال العظم، عن إعلان انحيازه الكلي للثورات أو الفورات بصرف النظر عن نتائجها وتداعياتها ومآلاتها. وقبل أن يعالج المفاهيم أو القوالب الايديولوجية التي روّجت لها الأنظمة لعرقلة أي تحوّل نوعي، يقدم إلى القارئ الأسباب التي دفعته إلى مديح الثورة، ويحاول الإجابة عن سؤال تاريخي/ استشراقي: لماذا لا يثور العرب؟


انحياز الحروب للثورات الهادرة والكامنة من المحيط الى الخليج هو بمثابة الانحياز للمستقبل.
ورغم سطوة الخطاب الإنشائي على مفاصل الكتاب، إلا أنّ هذا لا يمنع من توصّله الى عدد من النتائج المهمة، وخصوصاً حين يستحضر عبد الرحمن الكواكبي. تأتي أهمية استعادة ما قاله صاحب «طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد» من أنه بكّر في نقض المقولة التي تتهم العرب بقابليتهم للتعايش مع الاستبداد. العودة الى الكواكبي تحيلنا على بعض الأدبيات السياسية الإسلامية، تحديداً مسألة الخروج على الحاكم خوفاً من الفتنة. هذه المقولات التي اندرجت في الآداب السلطانية أدت دوراً كبيراً في دعم المُلك العضوض الذي بدأ مع الأمويين، وتابع مسيرته في مراحل لاحقة.
يناقش الحروب مقولتين: الأولى استقرار الاستبداد محتمل، لكنّ نهايته دموية. والثانية أنّه حتى لو جاء على حساب الحرية، فإنّ الاستبداد يضبط مكوّنات المجتمع المتصارعة ويقلّم أظافرها. ولعل ما قاله صاحب «حماس: الفكر والممارسة السياسية» يكتسب راهنيته في ذروة «الربيع العربي» لسببين أساسيّين: الرد الدموي الهائل الذي استخدمته الأنظمة المتساقطة ضد تيّار التغيير، وتوظيف الفوبيا الطائفية والمذهبية لشرعنة بقائها في الحكم. ثمة نقطة مركزية لا يعيرها الكاتب الكثير من الاهتمام رغم أنه لمّح لها تلميحاً سريعاً: من أين تنهض قوة الجماهير الثائرة؟ وكيف؟ قد يجيبنا عن هذه الإشكالية العالم الفرنسي الراحل غوستاف لوبون، صاحب الأطروحة الشهيرة «سيكولوجية الجماهير» (1895)، لكن الأهم من ذلك قضية أخرى تتمثل في ابتكار الشعارات الثورية والترويج لها، ما يدلّ على نوع من التماهي بين الجماعات المضغوطة، وهنا يأتي دور العلوم الاجتماعية في دراسة هذه الظاهرة القديمة/ الجديدة.
يستخدم الكاتب مصطلح «الأغلبية المدنية الصامتة» للدلالة على الشرائح الاجتماعية المهمشة، من بينها الشباب الذين يكوّنون عماد هذه الأغلبية. إنّها فئة «ذات وعي عميق» و«لم تكن مؤدلجة» على حد تعبير الحروب. ولا شك في أنّ الأنظمة الجمهورية والملكية تصدرت استنزاف المجتمعات عبر إفراغها من مكوّنها المدني التغييري، فعملت على ترسيخ القبلية والعشائرية والطائفية على حساب الدولة الحديثة، وهذه النقطة المهمة لا يدرسها الحروب على النحو المطلوب.
تحت عنوان «المثقفون والثورات: تراجع الدور والاستبدال»، يستعين الإعلامي السابق في قناة «الجزيرة»، بمفهوم المثقف العضوي الذي نحته غرامشي، متسائلاً عن دور المثقف في حركات التغيير. إلّا أنه لا يكلّف نفسه توجيه أيّ نقد إلى الفئة المثقفة الصامتة، وخصوصاً «مثقفي السلطان أو الديوان». وهنا نسأل: أين موقع المثقفين في الفورات الهادرة؟ من الناحية الشكلية، ينقسم المثقفون الى ثلاث فئات: فئة أعلنت انحيازها لـ «الربيع العربي» وشاركت في الميدان، ولا سيما في التجربة المصرية. وفئة صامتة صمت القبور. وفئة مؤيدة لكن بحذر شديد. دور المثقف العضوي على هشاشته يكشف المعادلة التالية: الجيل الشبابي العربي يصنع الأفكار لحاضره وغده ومستقبله.
يدخل الحروب في صلب القلق الثوري «الإسلاميون والربيع العربي». يقسم الحركات الإسلامية الى معتدلة وسلفية، لكنّه لا يعالج تساؤلاً جوهرياً عن كيفية نجاح الإسلام المعدّل والسلفي في بناء قواعده الشعبية عبر الأسلمة. صحيح أنّه يضع الإسلاميين أمام الامتحان الديموقراطي، إلّا أنه لا يتطرق الى ثلاث قضايا أساسية: استخدام الإسلاميين المعتدلين مفهوم الدول المدنية، وهو مفهوم ملتبس ومطاط لا يعني الفصل بين الديني والسياسي، فهم إيديولوجياً عاجزون عن المناداة بالدولة العلمانية، إضافة إلى موقفهم من وصول المرأة الى رئاسة الدولة، وحدود الحريات الشخصية وضوابطها. كان من المهم أن يضيء الحروب على وثائق الأزهر التأسيسية، وخصوصاً حين يتحدث عن «الدولة المتخيلة في عقل الإسلاميين العرب». كان بإمكانه الاستعانة ولو جزئياً بالوثيقة الأولى، التي أشارت الى أنّ الإسلام لم يعرف «الدولة الدينية»، فيعمل على تحليل مضمونها وأهم بنودها، لأنها في الأساس أتت للرد على المتخيل الإسلاموي من جهة، وعلى حماية الدين من الدولة من جهة أخرى.
يعرّج الكاتب على القراءات الغربية التي رصدت وصول الإسلاميين الى الحكم، كما يضع جملة من السيناريوات المتاحة أمام الإسلام السياسي المعدّل، من بينها الأنموذج التركي. غير أنه لم يشر الى الأنموذج الباكستاني المقابل، القائم على ديموقراطية برلمانية يسيطر عليها العسكر والقوى الدينية، ولعل ما يحدث في مصر يعبّر تعبيراً واضحاً عن ذلك.
من خلال قراءة استشرافية جنينية، يخلص الكاتب الى مجموعة من الخلاصات «لبعض ملامح المرحلة القادمة»، من بينها: تبعثر محوري الاعتدال والممانعة، وقيام كتلة محور الخليج الموسع، وعودة مصر لتبوّء مركز القيادة الإقليمي، واحتمالات التجزئة في بعض الدول العربية، واستقواء الإسلاميين وضعف حركات مقاومتهم.
كتاب «في مديح الثورة» على أهميته تعتريه بعض نقاط الضعف: سيطرة الخطاب الإنشائي، والتعجل في رصد النتائج، وخصوصاً حين يتحدث الكاتب عن سقوط «القاعديين» وهشاشة أفكارهم، والقول إنّ الثورات العربية ستكسر نمط العلاقة التاريخية بين العرب والغرب، التي تأسست على ثنائية الغالب والمغلوب.