حقّقت السينما الوثائقية حضوراً في أرشيف الفن السابع العالمي. وما انفكت تتوغل في أكثر المناطق وعورةًَ لكشف «جماليات الإنسان الأرضي» حسب العنوان الذي اختاره فجر يعقوب في دراسته نماذج السينما الوثائقية (المؤسسة العامة للسينما ــ دمشق/ سلسلة الفن السابع). المسافة بين شريط الأخوين لوميير «وصول القطار إلى المحطة» أواخر القرن التاسع عشر، وما أنجزته السينما الوثائقية إلى اليوم، تؤكد قدرة صنّاع هذه الأشرطة على تجاوز مقترحات السينما الروائية بما يشبه الانقلاب الجذري للصورة. يرى السينمائي والناقد الفلسطيني أنّ الملهم الأول لهذه السينما هو الروسي دزيغا فيرتوف (1896 ــــ 1954) الذي حوّل حكاية بسيطة إلى أيقونة بصرية. تأثيرات المعلم الروسي ألقت بظلالها على تجارب المدارس الأوروبية في السينما الوثائقية، رغم الاتهامات التي وصفت سينماه بالشكلانية المتطرّفة.


سيدخل الفيلم الوثائقي الجديد في «مراقبة المجال العمومي لمناهضة العولمة»، في ظل تكنولوجيا رقمية أخذت توفّر لصانعي الأفلام الجدد نوعاً من «الاحتفاء بالمظاهر والقيم الآيلة للسقوط التي سينشأ منها عالم افتراضي جديد». الاشتباك المعقّد بين الثقافة والاقتصاد والسياسة بمنحاه الوحشي وفقاً لما يقوله فجر يعقوب، لم يمنع سينمائيي الجنوب من توسيع فتحة العدسة ومراقبة القضايا التي تشغلهم عبر الوثيقة البصرية.
لكن ما واقع الوثائقي العربي؟ يتوقف الكتاب عند تجربة خاضها يوسف شاهين (1926 ـــ 2008) بعنوان «لوميير والشركة» (1995). على مدى 52 ثانية، استعاد صاحب «العصفور» مشاهد متتالية للأخوين موليير خلال محاولتهما تصوير فيلم عند الأهرام، حين يظهر شخص بملامح عربية ليحطّم الكاميرا، ثم يطالعنا عنوان «رقابة معدة سلفاً». ويتبعه عنوان آخر «السينما خطيئة». لكن ما يطرحه شاهين في الشريط ليس قاعدة، ذلك أنّ عشرات الأفلام الوثائقية العربية، لم تفكّر في الرقابة، وبقيت حبيسة العلب. في المقابل، سمحت التقنيات الحديثة لأكبر عدد بتحقيق أفلام أُلصقت بها سمة الوثائقي، لكنّ بعضها «لم يتجاوز عتبة الريبورتاج التلفزيوني» مع هشاشة الصورة، واللغة المراوغة الملتبسة، ليخلص إلى أنّ العالم العربي لم يحسم هوية انتمائه على أبواب الألفية الثالثة. النماذج التي يختارها هنا تمثّل عينة نموذجية على حيرة الهوية مثل «سَلَطة بلدي» لناديا كامل، و«جيران» لتهاني راشد (مصر)، و«حنين الغوردل» لجان شمعون (لبنان). ويفرد فصلاً خاصاً عن بدايات الفيلم الوثائقي السوري، متخذاً من «الحياة اليومية في قرية سورية» (1974) للمخرج الراحل عمر أميرلاي، عتبةً نوعيةً في تأصيل وثائقي سيبقى علامة فارقة في السينما السورية. هذه المحطات لصعود الفيلم الوثائقي بلغت أقصى تطلعاتها مع «الانفجار الرقمي» في مزاوجة قسرية بين السينما بوصفها فناً، والكمبيوتر الرقمي في رحلته «العوليسية» الافتراضية. يراهن فلاسفة الصورة على أننا نقف أمام نظام رمزي منعتق من الدلالات ومحبوس فيها معاً. وتترسخ الفكرة مع ولادة الانترنت، فتصغير الشاشة إلى بضع بوصات ينهي مشكلة بدت مهمة لصانعي السينما أنفسهم، وذلك بإتاحة المشاهدة المنزلية.
الإنترنت إذاً استعارت وظائف السينما والصحافة النقدية عبر شبكة عملاقة جذبت ملايين المشاهدين نحو أفلام مجهولة. لكن هذا «الانقلاب الديموقراطي» ما زال غائماً. يشكّك فجر يعقوب في انبثاق نظرية جمالية خاصة تواكب هذه التحولات، أقله راهناً، فنحن نقف على حافة كرنفال افتراضي سيغيّر وجهة المعرفة الإنسانية، ما يقود إلى الالتباس في الحكم وهوية النقد السينمائي «كأننا نلج الواقع الافتراضي بسباحة متخيّلة ونحن في أماكننا، لأننا لم نكن مساهمين في هذا التحوّل الديموقراطي، بقدر ما كنا مساهمين في استهلاكه».
في هذا السياق، يمكن هنا استعارة عبارة «عندما نشاهد أفلام اليوم، نشعر كأننا في حفلة تسوّق». السينما الهوليوودية امتصت منجزات الوثائقي في التسويق لمنتجات مشهورة من خلال نجومها، مثل المشروبات الغازيّة، والتبغ، وحتى المسدسات. الوثائقي اليوم على مفترق طرق في حيرته بين النبرة الإشهارية، وفضح المسكوت عنه، بوجود آلاف الهواة ممن يمتلكون كاميرات خفيفة. وربما اندلق الصندوق الأسود للربيع العربي مثلاً عن ملايين الأمتار المصوّرة سراً، بوصفها وثائق نادرة، ومواد خاماً لأفلام المستقبل.