قرار سحب السلطات البريطانية رخصة بثّ قناة «برس تي في» الإيرانية أعاد إلى الواجهة قضية استقلال الإعلام البريطاني. بينما علت بعض الأصوات مندِّدة بالخطوة التي تمثّل «اعتداءً على حرية التعبير في المملكة»، أشادت أخرى بالقرار، مشيرة إلى أنّ «المشهد الإعلامي البريطاني أفضل من دون بروباغندا «برس تي في»». لكن اللافت أن لا أحد ذكّر بِفضيحتين هزّتا الوسط البريطاني في الأشهر الماضية، وبيّنتا مدى ارتهان إعلام المملكة وبعض صحافييه للوبي الصهيوني.


تؤكد مصادر صحافية إسرائيلية أنّه بعد أيام على انطلاق الانتفاضة الفلسطينية الثانية في أيلول (سبتمبر) 2000، استدعى السفير الاسرائيلي في بريطانيا أبرز 50 شخصية يهودية في البلد، ونبّهها إلى ضرورة العمل على تقديم الدعم لإسرائيل انطلاقاً من المملكة. خرج المجتمعون وجمعوا نحو 390 ألف دولار خُصِّصت لمجموعات الضغط الإسرائيلية ودعم اللوبي الصهيوني في البلد... فكان «بايكوم» (المركز البريطاني ـــــ الإسرائيلي للاتصالات والأبحاث). سُجِّل «بايكوم» في بريطانيا كـ «منظمة مهنية مستقلّة لا تبغي الربح». لكن سرعان ما تحوّل أداة بروباغندا صهيونية تتلاعب بالإعلام البريطاني وتموّل شخصيات سياسية بريطانية مقرّبة من السلطة.
المركز يعرِّف عن نفسه على موقعه بأنّه «جهة مستقلة أنشئت لخلق بيئة حاضنة أكثر دعماً لإسرائيل في بريطانيا». وهدف نشاطاته الترويج لسياسة موالية لإسرائيل في الإعلام البريطاني عبر تسويق خطاب «بايكوم» ورؤيته إلى الأحداث عند الصحافيين البريطانيين. تلك الأهداف المعلنة لم تردع الصحافيين البريطانيين عن التعاون مع المركز والامتثال لتدخلاته في كتابة مقالاتهم. فضيحتان مدوّيتان كُشف عنهما نهاية العام الماضي أضاءتا على الدور الفاعل الذي يؤديه المركز الإسرائيلي. في أيلول (سبتمبر) الماضي، نشر موقع «توتالي جويش» خبراً مفاده أن عدداً كبيراً من الصحافيين البريطانيين تلقّوا رسالة إلكترونية من طريق الخطأ كانت موجهة من مديرة «بايكوم» لورنا فيتسيمونز إلى مجموعة من المانحين. وفي الرسالة تشرح فيتسيمونز أن «المركز كان على اتصال بصحافيين ومراسلين في «بي بي سي»، و«سكاي نيوز»». وتضيف: «أبلغ كبير محللينا هيئة تحرير «بي بي سي» الدولية كيف يجب التعامل مع خبر حصار السفارة (الإسرائيلة) في مصر. كذلك غيّر محررو «سكاي نيوز» نصهم بعدما اتصلوا بنا وقلنا لهم أن يركزوا على القتلى الإسرائيليين في حادثة سيناء».
المديرة ذكّرت في رسالتها أن إحدى أهمّ مذيعات أخبار محطة «بي بي سي» صوفي لونغ، جالت في «إسرائيل» برعاية «بايكوم» الذي أتاح لها زيارة المدينة القديمة وعرّفها إلى شخصيات سياسية مهمة. أما التفصيل الأخطر، فكان إشارة فيتسيمونز أنها تتصل بأحد أهمّ كتّاب صحيفة «فاينانشل تايمز» جوناثان فورد لـ«تملي عليه ما سيكتب في مقالته».
من جهته، قال المتحدث باسم «بايكوم» لـ«جويش نيوز» إن «الحادثة سبّبت القليل من الإحراج فقط»، وأكد أن «فيتسيمونز لم يُطلب منها التنحي بسبب ما جرى».
لكن اسم «بايكوم» عاد ليظهر في فضيحة سياسية ـــــ استخبارية. إنّها القضية التي أجبرت وزير الدفاع البريطاني ليام فوكس على الاستقالة في تشرين الأول (أكتوبر) ٢٠١١؛ إذ تبيّن أن المركز الصهيوني ـــــ البريطاني كان يموّل مستشار وزير الدفاع غير المعيّن أدام ويريتي. والأخير كان يحضر بصفته غير الرسمية، اجتماعات سرية مع وزير الدفاع وبالنيابة عنه وقد حصل على معلومات حساسة جداً تتعلق بنظام الاتصالات التي تعتمدها القوات البريطانية المقاتلة في أفغانستان. وقد كشفت المعلومات الصحافية عن تقديم مسؤولين كبيرين في «بايكوم» مبالغ مالية طائلة لويريتي ودعمه مادياً وسياسياً.