استطاع الطفل زيد (8 سنوات) الاختباء بشكل جيد داخل فرن بيتهم الطيني قبل لحظات من قدوم جنود تابعين للإمام يحيى بن حميد الدين، حاكم اليمن (1869 ـــ 1948). لقد أتوا للقبض على ذاك الصغير وترحيله إلى سجن «قلعة القاهرة» في مدينة تعز (جنوبي صنعاء). إيداعه هناك كرهينة كان وسيلة ضغط يستخدمها ذلك الحاكم على معارضيه من زعماء القبائل الفارّين من بطشه، كي يسلّموا أنفسهم، وكان والد زيد واحداً منهم.


لكنّ أولئك الجنود الكسالى لم يفطنوا إلى مكان اختباء الولد بعدما بحثوا في زوايا البيت الكبير. وفيما لم يكن باستطاعتهم العودة إلى الحاكم من دون «رهينة» في أيديهم، رأوا أنّ أي طفل آخر قد يفي بالغرض، اقترح أحدهم أحمد، ابن عم زيد المقارب له في العمر الذي كان وحده متواجداً في المكان. هكذا، وجد الطفل نفسه فجأة في قبضة جنود سيذهبون به بعيداً عن البيت. مصير واجهه الصغير بجلد مدعوماً بنداءات أمه لأن يكون رجلاً حاملاً لشرف الأسرة. لم تسقط دمعة واحدة من عينيه وهم يبتعدون به باتجاه السجن المقيم في تلك القلعة الموحشة، المكان الذي سيدخله طفلاً في السابعة سيخرج منه شاباً في السابعة عشرة.
زيد مطيع دماج، ذلك الطفل الناجي آنذاك من الاعتقال سيحتاج إلى ثلاثة عقود كي يردّ الجميل لابن عمه حين يقوم بتسجيل قصته في روايته الأولى «الرهينة» (دار الآداب ــــ بيروت 1984)، وهي الرواية التي سيتم اختيارها من ضمن أشهر مئة رواية عربية في القرن الماضي. لم يكن ذاك «الرهينة» سوى أحمد قاسم دماج الذي سيصبح رئيساً لاتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين واسماً ثقافياً لامعاً في الحياة الأدبية هناك.
سنوات طويلة مرّت على حقبة السجن المبُكر تلك. لكن صديقنا الذي فقد الآن كل أسنانه تقريباً، ما زال يشعر كأنها حدثت بالأمس، يخبرنا كيف كان خروجه من القلعة بمثابة حياة جديدة كُتبت له «كان عددنا 12رهينة، مات منّا عشرة بسبب الظروف الصحية الصعبة هناك وانعدام الرعاية. فيما تمكن اثنان منّا من النجاة». إنّها إذاً استعادة متأخرة للحياة التي لم يبصر نورها الكامل إلّا وقد صار شاباً كان عليه أن يسابق كل شيء كي يعوّض ما فات من أيامه التي صار عليه أن يمسك بالقادم منها بكل قوته.
عند عودة عمه، الزعيم القبلي الهارب إلى القرية بعد عفو الإمام عنه، سيوظّف كل طاقاته وإمكاناته لتعويض الفتى أحمد عن سني السجن التي عاشها بدلاً من نجله. «خصص مدرّساً خصوصياً لي وحدي وبدأت معه طريق الدراسة من جديد» يقول صديقنا الذي استطاع قطع أشواط كبيرة في فترة قياسية استمرت عامين مدعومة بمكتبة كبيرة كان عمه يمتلكها وكانت من المكتبات الضخمة النادرة في اليمن الشمالي آنذاك. ستعمل هذه القراءات على إبعاد رائحة السجن من بين مسامّه، وهو السجن نفسه الذي سوف يدخله مجدداً بعد سنوات طويلة، لكن لأسباب أخرى هذه المرة.
كان الفتى قد نجح في تأهيل نفسه فكرياً وثقافياً إلى درجة وضعته في صفّ النخبة الأول في اليمن بشطريه الجنوبي والشمالي مثل الشاعرين عبد الله البردوني، وعمر الجاوي، والروائي محمد عبد الولي. وهي النخبة التي ستقوم بتأسيس اتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين كأول منظمة مدنية موحدة قبل توحيد اليمن بوقت طويل، وتحديداً في عام 1970: «رغب الأدباء في تكوين اتحاد لهم بعيد عن هيمنة السلطتين وكان الأمر وقتها محفوفاً بمخاطر كثيرة والعلاقة بين النظامين قد وصلت إلى أسوأ حالاتها، وصار التنقل بين صنعاء وعدن بمثابة مغامرة لا يمكن توقّع عواقبها». في هذه الفترة، صار صديقنا نزيلاً متكرراً في معتقلات الشمال لا يخرج منها إلا لدخولها ثانية. مع ذلك، كانت فترة رائعة بالنسبة إليه. سمح له وجوده في اتحاد الأدباء بأن يكوّن صداقات كثيرة مع عدد كبير من الشعراء العرب كمحمود درويش، وسعدي يوسف وأدونيس عندما كانت عدن قبلة كل هؤلاء وغيرهم من الشعراء العرب. نطلب منه أن يخبرنا عن هذه الفترة بتفصيل أكثر، لكنّه لا يبدي رغبة كبيرة في ذلك، يفضّل دوماً أن يحكي عن الآخرين مكتفياً بالصمت عند تذكيره بتفاصيل من حياته الثرية الموصوفة بالزهد الواضح. وهو ما جعله رافضاً لمنصب وزير الثقافة الذي عُرض عليه أكثر من مرّة بعد الوحدة اليمنية (1990). كان يرفض ذلك دوماً، مفضلاً أن يبقى فاعلاً في كيان اتحاد الأدباء والكُتّاب محافظاً على إرث وتقاليد الكبار الذين رحلوا. لعل هذا الانشغال ما جعله يهمل مسألة إصدار ديوان شعري واحد له حتى اليوم، إذ يبرز اسمه وحيداً في خانة مَن تولّى أمور أكبر كيان ثقافي في اليمن ولم يصدر كتاباً واحداً.
مع هذا نجح «الأستاذ أحمد» ــ كما يُطلق عليه جمهور الأدباء في اليمن ـــ في أن يبقى عامل التوازن في ذلك الاتحاد رغم محاولة نظام علي عبد الله صالح ضمّه وإلحاقه بسائر الهيئات المدنية التي سقط أغلبها في جيب حزبه الحاكم محاولاً كتم الأصوات المطالبة بالعدالة والمساواة والحرية. «هذا السلوك الذي انتهجه صالح وسعيه لأن يستأثر بكل شيء، هو ما دفع إلى إعلان الثورة عليه وخلعه». يشير دمّاج إلى أن هذا السلوك التسلطي يتكرّر في غالبية الدول العربية التي تعيش اليوم ثوراتها «عندما يتمدد غضب الناس، لا يمكن لأحد إيقافه». وهي الثورات التي يرى «الرهينة القديم» أنّها كانت ضرورية لتحريك المياه الراكدة في الحياة العربية، إذ بلغ الأمر درجة من التردي لم يعد مجرد التفرج حيالها ممكناً.
يبدو «الأستاذ» مبتهجاً وهو يمرّ على سيرة الثورات، كأنه يتذكّر سيرة مشاركته في معارك الدفاع عن الجمهورية ضد الملكيين المدعومين من آل سعود بداية من العام 1962 حتى نهايات العام 1968 وانتهت بتدعيم النظام الجمهوري اليمني.
اليوم، ينظر هذا اليساري العتيق إلى شباب الثورة اليمنية مؤمناً بأنّها حققت الشيء الكثير مما قامت من أجله «لا ننسى أن قوى عربية ودولية كبرى ما كانت تحبّ أن تنتهي هذه الثورة نهاية ثورية بحتة من أجل الحفاظ على مصالحها في اليمن». أمّا في ليبيا، فلا يخفي دمّاج موقفه الناقد بشدة لـ«الطريقة المتخلفة التي قُتل بها معمر القذافي على أيدي بعض الثوّار والتي لن تساعد في خلق مجتمع مدني في الوقت القريب على الأقل»... فيما يرى الوضع في سوريّا حالة خاصة «هناك مجتمع استطاع النظام تركيبه بشكل لا يمكن تفكيكه بسهولة، ونمط سياسي لم يعرف تصرفات طائشة مثل نظيره الليبي طوال حكم حافظ الأسد وصولاً إلى نجله بشّار». وعليه، لا يعتقد أنّ الأمور ستنتهي على غرار ما حدث في ثورات الربيع العربي الأخرى. نخبره أنّ أغلب هذه الثورات أتت بالتيار الإسلامي إلى سدّة الحكم بما يحمله هذا من تخوفات جمّة. لكنه يجيبنا بهدوء بالغ «لا مبرر لهذا الخوف. لا يمكن لعجلة التاريخ أن تعود إلى الوراء».




5 تواريخ

1939
الولادة في منطقة النقيلين ــ مدينة إب (اليمن الشمالي سابقاً)

1946
دخل السجن للمرة الأولى

1965
تعيينه أميناً عاماً لرئاسة الوزراء

1990
تجديد رئاسته لاتحاد الأدباء
والكُتّاب اليمنيين منذ عام 1980

2012
يستعدّ لإصدار ديوانه الشعري الأول
الذي تكفّل بجمع نصوصه عدد من شباب اتحاد الأدباء والكُتّاب